**هل تعطّلت يد المحاسبة في الدار البيضاء؟.. سقطت الشبكة وبقيت عقلية الشبكة**

0
87

الدار البيضاء بعد «الخطاب الناري».. حين يصبح سؤال المحاسبة أكبر من المدينة هل تعطلت يد المحاسبة في الدار البيضاء؟ السؤال الذي يطرحه الصحافي مصطفى الفن في تغريدته الطويلة لا يتعلق، في جوهره، بواقعة عمرانية محددة، ولا بموظفين تعرضوا للضغط، ولا حتى بشبكة يُشتبه في امتداداتها داخل بعض المؤسسات. السؤال أوسع من ذلك كله: ماذا بقي من أثر المحاسبة حين تتكرر الوقائع نفسها، وتستمر الأساليب ذاتها، رغم كل ما سبق أن قيل عن ضرورة القطع مع منظومات النفوذ والفساد؟

يستعيد الفن في بداية روايته صورة الخطاب الملكي الذي خص مدينة الدار البيضاء، باعتبارها العاصمة الاقتصادية للمملكة، برسائل شديدة اللهجة. كان ذلك الخطاب قد خلق، كما يقول، اعتقاداً واسعاً بأن مرحلة جديدة من المحاسبة ستبدأ، وأن مسؤولين كثيرين قد يدفعون ثمناً ثقيلاً بسبب اختلالات التدبير والفساد. لكن المفارقة التي ينطلق منها الصحافي هي أن الزمن مر، بينما لم يحدث، في نظره، ذلك التحول الجذري الذي كان ينتظره الرأي العام.

هنا تحديداً يبدأ الجانب الأهم في تغريدة الفن: المشكلة، بحسب قراءته، ليست فقط في وجود الفساد، وإنما في قدرة بعض الشبكات على إعادة إنتاج نفسها بعد كل موجة من موجات المساءلة. فالخطاب السياسي، مهما كانت قوته، يفقد جزءاً من أثره إذا لم يتحول إلى آليات دائمة للمراقبة والمحاسبة، وإذا ظلت بعض دوائر النفوذ قادرة على تغيير الواجهات دون تغيير قواعد اللعبة.

ومن هذه الزاوية، ينتقل الفن إلى ما يعتبره الحدث الأكثر دلالة: تفكيك شبكة كبيرة مرتبطة بالاتجار الدولي في المخدرات، وهي قضية جنائية خطيرة ارتبطت، وفق ما يورده في روايته، بأشخاص كانوا يتحركون داخل فضاءات المؤسسات المنتخبة وغير المنتخبة. لكن القيمة التحليلية لهذا الاستحضار لا تكمن فقط في الجريمة الأصلية، بل في السؤال الذي يفتحه: كيف يمكن لشبكة ذات امتدادات خطيرة أن تجد، إن صح توصيف هذه الامتدادات قضائياً، منافذ داخل المجال المؤسساتي؟

الفن لا يكتفي هنا بالحديث عن أشخاص، بل يرسم صورة لمنظومة يُفترض أنها كانت تتعامل مع المدينة بمنطق مختلف عن منطق الإدارة العمومية. المناصب، والمكاسب، والعلاقات، والتحكم في الواجهات، كلها تظهر في نصه كأجزاء من آلية واحدة. وحتى العبارات القاسية التي يستخدمها بشأن بعض الوجوه النسائية داخل هذه المنظومة تأتي لتأكيد فكرة أساسية لديه: أن المؤسسة، في بعض الحالات، قد تتحول من فضاء لخدمة المصلحة العامة إلى واجهة لتدبير النفوذ.

غير أن أخطر ما في هذه الفكرة ليس ما تقوله عن الماضي، بل ما تقوله عن الحاضر.

فالفن يقول إن «بقايا» تلك الشبكة، بحسب تعبيره، ما زالت قادرة على استعمال الأساليب نفسها، مستشهداً بحالات يقول إنها تتعلق بموظفين شباب تعرضوا لضغوط من أجل توقيع قرارات يعتبرها «مشبوهة». وهنا تتغير طبيعة القضية: لم يعد السؤال عن شبكة إجرامية انتهت، بل عن احتمال استمرار منطق الشبكة حتى بعد سقوط بعض رموزها.

وهذه هي النقطة التي تستحق التوقف أكثر من غيرها: إذا كان الموظف العمومي يستطيع أن يتعرض للضغط من أجل توقيع قرار لا يقتنع بمضمونه، فإن المشكلة لا تعود مرتبطة بشخص الموظف وحده، بل بسلامة سلسلة القرار الإداري برمتها. فالقرار الذي يحمل توقيع موظف صغير قد تكون وراءه، في حال ثبوت وجود ضغط، شبكة من المصالح أكبر بكثير من صاحب التوقيع نفسه.

ومن هنا يصل الفن إلى القضية العمرانية التي تبدو، في ظاهرها، تقنية بحتة: بناية يُراد تصنيفها باعتبارها آيلة للسقوط.

لكن الصحافي يذهب أبعد من الوصف الإداري. فهو يشكك في أن تكون المسألة مجرد خبرة تقنية، ويتحدث عن أشخاص يقول إنهم تحولوا إلى «مهندسين معماريين وهميين»، أي إلى فاعلين يملكون، بحسب روايته، القدرة على التأثير في تقرير مصير بناية من دون أن تكون لهم بالضرورة الصفة أو الخبرة التي تخول لهم ذلك.

والتفصيل الأكثر حساسية هنا أن الفن لا يتحدث فقط عن قرار إسقاط بناية، وإنما عن المصلحة الاقتصادية المحتملة التي قد تترتب على القرار. فإذا سقطت بناية، فإن إعادة بنائها قد تفتح مشروعاً عقارياً جديداً، وقد تتحول المسألة من قرار إداري إلى فرصة مالية ضخمة. ولذلك يطرح الصحافي، بصيغة الاحتمال، فرضية وجود تواطؤ بين من يدفع في اتجاه الإخلاء أو الهدم وبين صاحب العقار المستفيد من إعادة البناء.

وهنا بالضبط تنتقل القضية من «هل البناية آيلة للسقوط؟» إلى سؤال أكثر عمقاً: من يستفيد من سقوطها؟

هذا السؤال هو قلب الرواية التي يقدمها الفن. فالقيمة الصحافية لأي قرار إداري لا تكمن فقط في مشروعيته الشكلية، وإنما أيضاً في معرفة السياق الذي صدر فيه، والجهة التي دفعت نحوه، والأطراف التي يمكن أن تستفيد منه، والموظفين الذين طُلب منهم تنفيذه.

لكن الصحافي نفسه لا يقدم هذه الفرضيات باعتبارها أحكاماً قضائية نهائية. فهو يستخدم عبارات مثل «ربما»، و«البعض يتحدث»، و«في هذا المنحى»، بما يكشف أن جزءاً من المادة التي يطرحها ينتمي إلى دائرة الاشتباه والمعلومات المتداولة، وليس إلى وقائع حُسمت قضائياً. وهذه نقطة جوهرية، لأن الفرق بين الصحافة الاستقصائية والاتهام المباشر هو بالضبط القدرة على إبقاء الحدود واضحة بين ما ثبت، وما يُشتبه فيه، وما يحتاج إلى تحقيق.

ومن بين أكثر العبارات دلالة في التغريدة حديثه عن مبلغ يصل، وفق ما «يتحدث» عنه البعض، إلى 400 مليون سنتيم يمكن توزيعه على عناصر الشبكة المزعومة. الرقم هنا ليس مجرد قيمة مالية؛ إنه، في البناء السردي للنص، أداة لإظهار حجم المصلحة المحتملة خلف القرار. لكن هذا الرقم تحديداً يحتاج إلى إثبات مستقل، لأن خطورته الصحافية تكمن في أنه قد يتحول بسهولة من «معلومة متداولة» إلى حقيقة في ذهن القارئ إذا لم يتم التعامل معه بحذر.

بعد ذلك يوجه الفن سهامه نحو مستوى أعلى من المسؤولية، حين يقول، في خاتمة قوية، إن الوالي إذا كان يعلم بما يجري فهذه «مصيبة»، وإذا كان لا يعلم فـ«المصيبة مزدوجة».

وراء هذه العبارة الساخرة ظاهرياً يوجد سؤال مؤسساتي جدي: أين تنتهي مسؤولية المنتخبين وأين تبدأ مسؤولية الإدارة الترابية؟ ومن يراقب القرار حين تتداخل المصالح السياسية والإدارية والعقارية؟

فالمسألة، وفق منطق النص، ليست مطالبة الوالي بأن يعرف كل شيء بالتفصيل، فهذا غير واقعي، وإنما التساؤل عما إذا كانت منظومة المراقبة داخل مدينة بحجم الدار البيضاء قادرة على التقاط إشارات الخلل قبل أن تتحول إلى قرارات نافذة أو إلى أضرار يصعب إصلاحها.

وفي النهاية، يعيد الفن فتح الملف الأوسع حين يؤكد أن الضغط على الموظفين، بحسب روايته، ليس حادثة معزولة، بل ممارسة سبق أن تكررت. وهنا يصبح «الموظف» في النص أكثر من مجرد شخصية ثانوية؛ إنه خط الدفاع الأخير أمام القرار المشبوه. فإذا استطاع أن يقول «لا»، بقيت إمكانية وقف القرار. وإذا تحول التوقيع إلى مجرد استجابة للضغط، فقد يصبح الجهاز الإداري نفسه جزءاً من المشكلة.

وهذه هي المفارقة التي تكشفها التغريدة في عمقها: قد تسقط شبكة، لكن ذلك لا يعني بالضرورة سقوط الثقافة التي أنتجتها.

فالمحاسبة الحقيقية لا تقاس بعدد الملفات التي تصل إلى القضاء فقط، وإنما بقدرة المؤسسات على منع إعادة إنتاج العلاقات نفسها، وعلى حماية الموظف الذي يرفض التوقيع على ما يعتبره مخالفاً للقانون، وعلى إخضاع القرارات ذات الأثر المالي والعمراني الكبير لرقابة مستقلة وشفافة.

وفي الدار البيضاء، حيث تتقاطع السياسة بالعقار والاقتصاد بالإدارة، يصبح هذا السؤال أكثر إلحاحاً. لأن المدينة لا تحتاج فقط إلى هدم بنايات آيلة للسقوط؛ إنها تحتاج، قبل ذلك، إلى التأكد من أن منظومة القرار نفسها ليست آيلة للسقوط تحت ضغط النفوذ والمصلحة.

ومن هنا يمكن فهم الرسالة الأعمق في كلام مصطفى الفن: ليست القضية، في النهاية، قضية بناية واحدة، ولا موظف واحد، ولا مسؤول جماعي واحد. إنها اختبار لقدرة المؤسسات على حماية القرار العمومي من أن يتحول إلى سلعة، ولقدرة المحاسبة على أن تكون قاعدة مستمرة لا موجة ظرفية، ولقدرة الدولة على أن تجعل سقوط شبكة فساد نهاية لمنطقها، لا مجرد تغيير لأسماء من يحملون مفاتيحها.

والسؤال الذي يبقى مفتوحاً ليس: هل توجد شبكة جديدة؟
بل: هل تستطيع المؤسسات أن تثبت، بالوثائق والخبرة والتحقيق والقانون، أن القرار يُتخذ فعلاً لمصلحة المدينة، لا لمصلحة من ينتظر أن يربح من ورائه؟