وهبي لمدريد: «أعيدوا أبناءنا»… نتمسك بأراضينا ونواجه قضاءً إسبانياً «معقداً ومُسيّساً»

0
59

لم تترك موجة العبور الجماعي الأخيرة إلى سبتة وراءها أزمة حدودية عابرة، بل أعادت إلى الواجهة واحداً من أكثر الملفات حساسية في العلاقة المغربية الإسبانية: مصير القاصرين المغاربة غير المصحوبين. فبينما عاد معظم البالغين الذين دخلوا المدينة إلى المغرب، ظل القاصرون في قلب المأزق، لأن وضعهم القانوني مختلف، ولأن وجودهم في سبتة لا يمكن حسمه بالطريقة نفسها التي تُدار بها أوضاع البالغين. وتشير المعطيات المتداولة في أعقاب الأزمة إلى بقاء أعداد كبيرة من القاصرين تحت رعاية السلطات الإسبانية، في وقت أعلنت فيه الرباط استعدادها للتعاون في تحديد هوياتهم واستعادتهم، استناداً إلى توجيهات ملكية للوزارتين المكلفتين بالداخلية والخارجية للمساعدة في عملية التعرف عليهم وإعادتهم.

لكن عبداللطيف وهبي، وزير العدل المغربي، لم يقدم المسألة في حديثه مع قناة «دويتشه فيله» باعتبارها خلافاً تقنياً حول إجراءات الهجرة، وإنما دفع بها إلى مستوى مختلف تماماً: مستوى مسؤولية الدولة عن أبنائها. هنا تتغير زاوية النظر إلى القضية؛ فالمغرب، وفق الرواية التي قدمها الوزير، لا يطالب إسبانيا بالتخلص من عبء بشري أصبح ثقيلاً على سبتة، ولا يبحث عن مخرج إداري لأزمة أحدثها العبور الجماعي، وإنما يقول إن القاصرين المغاربة الذين ثبتت هويتهم وجنسيتهم يجب أن يعودوا إلى أسرهم وبلدهم، وأن الدولة المغربية مستعدة لتحمل مسؤوليتها تجاههم. ولهذا كانت عبارته عن أن القاصر «له حقوق وليس لديه واجبات» أكثر من توصيف قانوني؛ إنها محاولة لإخراج الطفل من منطق المسؤولية عن فعل العبور ووضعه داخل منطق الحماية والرعاية.

هذه النقطة هي مفتاح الخطاب المغربي كله. فالرباط تريد أن تمنع تحول فعل القاصر إلى مبرر دائم لبقائه خارج بلده، وأن تميز بين مسؤولية الطفل عن دخوله إلى سبتة وبين مسؤولية الدولة والأسرة عن مستقبله. وبذلك يصبح السؤال، من وجهة النظر المغربية، ليس لماذا دخل القاصر؟ بل لماذا يبقى بعيداً عن أسرته بعد أن تتأكد هويته وجنسيته، ولماذا تتحول إعادته إلى مسار طويل تتداخل فيه الموافقات الإدارية والاعتبارات القضائية والإجراءات القانونية؟ وهبي يضع المسألة بهذه الطريقة لأن الطفل، في التصور الذي يدافع عنه، ليس مهاجراً بالغاً اختار مشروعه الفردي، بل قاصراً لا يملك أصلاً الأهلية الكاملة لاتخاذ قرار مصيري بشأن مستقبله.

غير أن الجانب الإسباني لا يستطيع التعامل مع هذه المطالبة بمجرد قرار سياسي، وهذه هي النقطة التي تجعل الملف أكثر تعقيداً مما يوحي به الخطاب السياسي من الجانبين. فالقانون الإسباني يفرض دراسة وضع كل قاصر على حدة، كما أن إعادة القاصر لا تصبح تلقائية بمجرد إثبات الجنسية المغربية. والاتفاق المغربي الإسباني الموقع سنة 2007 بشأن التعاون في مجال منع الهجرة غير النظامية للقاصرين وحمايتهم وإعادتهم المنسقة يهدف بالفعل إلى تسهيل عودتهم إلى أسرهم أو إلى مؤسسة حماية في المغرب، لكنه يربط هذه العملية باحترام القانون الإسباني والقانون الدولي واتفاقية حقوق الطفل. لذلك فإن العقدة الحقيقية ليست غياب إطار للتعاون، بقدر ما هي كيفية تطبيقه على الأرض من دون أن يتحول الإجراء القانوني إلى آلية لتعليق العودة إلى أجل غير محدد.

ومن هنا تأتي اتهامات وهبي لمدريد بالمماطلة. الوزير يقول إن المغرب يواجه حالات تقدم فيها السلطات الإسبانية ملفات لقاصرين على أساس أنهم مغاربة، ثم تكشف عملية التدقيق المغربية أن بعض الأسماء لا تحمل الجنسية المغربية، وهو ما يجعل الرباط تعيد تحديد الحالات التي يمكن بالفعل استقبالها. لكن المشكلة، بحسب روايته، تبدأ بعد الوصول إلى هذه النقطة، حين تتقدم العملية خطوة ثم تتراجع بسبب مبررات قانونية أو قضائية أو إدارية. وفي القراءة السياسية لهذا الموقف، لا يرى المغرب في هذه التعقيدات مجرد أخطاء تقنية، وإنما يرى فجوة بين القرار السياسي الذي يعلن الرغبة في التعاون وبين الجهاز الإداري والقضائي الذي يملك في النهاية مفاتيح التنفيذ.

وتكتسب هذه المسألة حساسية إضافية لأن إسبانيا نفسها تحمل إرثاً قضائياً ثقيلاً في هذا الملف. ففي يناير 2024 أكد المحكمة العليا الإسبانية أن إعادة قاصرين مغاربة من سبتة إلى المغرب في أغسطس 2021 كانت غير قانونية، بسبب عدم احترام الإجراءات الفردية المطلوبة وعدم تقييم ظروف القاصرين ومصلحتهم. وفي سبتمبر 2025 أيدت محكمة في قادس إدانة مسؤولتين سابقتين في قضية إعادة 55 قاصراً في تلك الأزمة، ما يعني أن تحفظ المؤسسات الإسبانية الحالية تجاه عمليات الإعادة ليس مجرد ذريعة سياسية يمكن تجاهلها بسهولة، بل يرتبط أيضاً بتجربة سابقة انتهت إلى مساءلة قضائية.

لكن وهبي يذهب أبعد من تفكيك الإجراءات. فهو يضع الأسرة في مركز القضية، ويعتبر أن حماية القاصر لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها إبقاءه بعيداً عن أهله بصورة دائمة. وهذه النقطة تكشف أحد أعمق الاختلافات بين الخطابين المغربي والإسباني: مدريد تنظر إلى القاصر غير المصحوب أولاً من خلال وضعه القانوني داخل الأراضي الإسبانية، بينما تحاول الرباط أن تعيد تعريفه من خلال انتمائه الأسري والوطني. ومن هذه الزاوية، تصبح العودة إلى الأسرة جزءاً من الحماية نفسها، لا نقيضاً لها، شرط أن تكون هوية القاصر مؤكدة وأن تتم العودة وفق الضمانات القانونية اللازمة.

والمفارقة أن هذه الحجة المغربية تصطدم في الوقت نفسه بواقع إسباني شديد الحساسية. فبعد أحداث يوليو، وجدت سبتة نفسها أمام ضغط استثنائي على منظومة استقبال القاصرين، بينما أعلنت مدريد موارد إضافية للتعامل مع الوضع، وتحدثت السلطات الإسبانية عن الحاجة إلى توزيع جزء من العبء على أقاليم أخرى. وفي المقابل، شدد مسؤولون محليون في سبتة على أن الوضع أصبح غير قابل للاستمرار وطالبوا بإعادة المهاجرين إلى المغرب، في حين أصرت الحكومة المركزية على أن معالجة القاصرين يجب أن تتم وفق حماية الطفولة ودراسة الحالات فردياً.

وهنا يظهر البعد السياسي الذي يحاول وهبي إخفاء حدته خلف لغة الصداقة. فالوزير لا يقطع الجسر مع مدريد، بل يقول إن إسبانيا «صديقة» وإن الصديق، حين يواجه أزمة، يفترض أن يساعده الطرف الآخر على تجاوزها لا أن يترك له أزمة إضافية. هذه اللغة ليست تفصيلاً دبلوماسياً؛ إنها تمنح المغرب مساحة للضغط من دون تحويل الملف إلى مواجهة ثنائية مفتوحة. فالمطلوب من مدريد، في الرسالة التي يبعث بها وهبي، ليس التنازل عن قانونها، وإنما استخدام القانون للوصول إلى حل، لا استخدام تعقيداته كسبب دائم لتأجيل الحل.

ولهذا أيضاً لا تبدو إشارة الوزير إلى احتمال اللجوء إلى إجراءات دولية إعلاناً عن تصعيد وشيك بقدر ما تبدو ورقة ضغط محسوبة. فالمغرب يعرف أن ملف القاصرين شديد الحساسية بالنسبة إلى إسبانيا وأوروبا، ويعرف في المقابل أن تحويله إلى مواجهة قانونية أو دبلوماسية واسعة قد يضر بالتعاون الذي تحتاجه الرباط ومدريد في ملفات الهجرة والأمن والحدود. لذلك يترك وهبي الباب مفتوحاً أمام اللقاءات المقبلة، لكنه يريد أن يدخلها من موقع مختلف: ليس موقع الدولة التي تطلب من دولة أخرى أن تستقبل عبئاً، وإنما موقع الدولة التي تقول إنها مستعدة لاستعادة مواطنيها وتحمل مسؤوليتها عنهم.

أما أخطر ما يضيفه الوزير إلى هذا الخطاب فهو حديثه عن القاصرات والمخاطر التي قد يتعرض لها بعض القاصرين في سبتة. هنا ينتقل الملف من سؤال العودة إلى سؤال الحماية، وتصبح إطالة بقاء الطفل بعيداً عن أسرته، إذا ثبتت المخاطر التي تحدث عنها الجانب المغربي، قضية أخلاقية لا إدارية فقط. غير أن هذه الادعاءات تحتاج، بطبيعتها، إلى توثيق وتحقيق مستقل في كل حالة، لأن خطورة الملف تقتضي ألا تتحول المخاوف المتعلقة بسلامة القاصرين إلى أداة خطابية في أي اتجاه. لكن مجرد إدخال هذا البعد إلى النقاش يكشف لماذا تريد الرباط إنهاء حالة الانتظار: كل يوم إضافي في وضع هش يضيف طبقة جديدة من المخاطر والمسؤوليات.

والمفارقة الأوسع أن أزمة سبتة الأخيرة كشفت أن المشكلة لا تكمن في غياب الرغبة المعلنة في التعاون بقدر ما تكمن في الفجوة بين الاتفاق السياسي والتنفيذ الميداني. فالمغرب يقول إنه مستعد لاستقبال القاصرين الذين تثبت مغربيتهم، وإسبانيا تقول إن القانون يحميهم ويمنع إعادتهم بصورة جماعية أو آلية. وبين الموقفين توجد مساحة يفترض أن يشغلها العمل الإداري المشترك: تحديد الهوية، الاتصال بالأسرة، التأكد من ظروف الاستقبال، تقييم المصلحة الفضلى للقاصر، ثم تنفيذ العودة عندما تتوافر شروطها. وإذا بقيت هذه المساحة بلا آلية عملية واضحة، فإن كل أزمة جديدة ستعيد إنتاج المشكلة نفسها.

لهذا فإن مطلب وهبي الحقيقي يتجاوز عبارة «أعيدوا أبناءنا»، رغم أن هذه العبارة تختصر جوهر موقفه. المطلوب في العمق هو تحويل ملف القاصرين من ملف تديره كل أزمة على حدة إلى ملف له مسار ثابت بين الرباط ومدريد، بحيث لا تبدأ عملية التعرف على القاصر من الصفر مع كل موجة عبور، ولا يصبح كل ملف رهينة تفسير إداري أو قضائي جديد. الاتفاق موجود، والرغبة السياسية في التعاون معلنة، لكن ما ينقص هو آلية تنفيذية قادرة على اختصار المسافة بين القرار والعودة.

وفي الخلفية، هناك سؤال أكبر من سبتة نفسها: من يتحمل المسؤولية عندما يتحول القاصر إلى نقطة التقاء بين حدود دولتين؟ المغرب يقول إن السيادة تعني أيضاً تحمل الدولة مسؤولية أبنائها، وإسبانيا تقول إن سيادتها تخضع لقواعد قانونية تحمي الطفل بمجرد وجوده على أراضيها. كلا الموقفين يستند إلى منطق له وزنه، لكن المأزق يبدأ عندما تتحول حماية القاصر إلى وضع انتقالي مفتوح، فلا يعود إلى أسرته ولا يستقر في وضع مستقر، وتصبح حياته معلقة بين نظامين للمسؤولية.

ومن هنا يمكن فهم لهجة وهبي على نحو أدق. فهو لا يطالب مدريد فقط بإعادة قاصرين مغاربة، بل يحاول إعادة تعريف معنى المسؤولية في هذه القضية. يريد أن يقول إن المغرب لا يتنصل من أبنائه، وإن الدولة التي تطلب منه استقبالهم لا تطلب منه ما يرفضه، وإن ما يطلبه هو أن تتحول هذه المسؤولية إلى إجراء فعلي ومنظم. وفي المقابل، تحتاج إسبانيا إلى أن تثبت أن تمسكها بحماية القاصرين ليس وسيلة لإبقائهم داخل منظومة الاستقبال، بل مساراً يؤدي، عندما تكون العودة هي الحل الملائم قانونياً وإنسانياً، إلى عودتهم الآمنة والمنظمة.

أحداث سبتة أعادت فتح هذا الباب بعنف، لكنها قد تتيح أيضاً فرصة لإغلاقه بطريقة مختلفة. فبدلاً من انتظار أزمة جديدة كي يبدأ الاتصال بين المسؤولين، تستطيع الرباط ومدريد بناء آلية دائمة للتعامل مع القاصرين المغاربة، تبدأ من الهوية ولا تنتهي عند الحدود، مروراً بالأسرة ومؤسسات الحماية والمتابعة بعد العودة. عندها فقط يصبح شعار «أعيدوا أبناءنا» أكثر من موقف سياسي؛ يصبح اختباراً لقدرة دولتين تقولان إنهما شريكتان وصديقتان على تحويل المسؤولية المشتركة عن طفل إلى حل مشترك، بدلاً من تركه عالقاً في المسافة بين القانون والسياسة.