حين تصبح ورقة الشرطة حلمًا… أطفال المغرب يقفون على أبواب سبتة بحثًا عن وطنٍ بديل

0
91
صورة : ElFarodeCeuta

لم تكن عشرات الوجوه الصغيرة المتجمعة أمام مقر الشرطة الوطنية في سبتة مجرد طابور ينتظر استكمال إجراءات إدارية، بل كانت صورة مكثفة لتحول عميق في معنى الحماية بالنسبة إلى هؤلاء الأطفال. فالمشهد الذي بدا، للوهلة الأولى، هادئًا ومليئًا بالابتسامات، يخفي في الواقع قصة أكثر قسوة؛ قصة أطفال لم يعودوا يرون في حدود المدينة المحتلة نهاية رحلة الهجرة، بل بداية احتمال لحياة أكثر استقرارًا من تلك التي تركوها خلفهم.

وتكمن المفارقة في أن المكان الذي يفترض أن يكون رمزًا للرقابة الأمنية أصبح، في نظر هؤلاء القاصرين، بوابة للنجاة. أمام مقر الشرطة لا تبدو علامات الإنهاك التي تملأ شوارع أخرى من سبتة أو محيط مركز إيواء المهاجرين أو شاطئ “ترامبولين”. هنا تحل الضحكات محل الخوف، وتصبح الصورة التذكارية أكثر أهمية، ولو للحظات، من ذاكرة العبور الطويلة التي حملتهم إلى الضفة الأخرى.

لم يكن طلب الأطفال تصويرهم ثم التأكد من أنهم “ظهروا بشكل جميل” مجرد تصرف عفوي يليق بسنهم، بل رسالة إنسانية بالغة الدلالة. فحتى بعد رحلة محفوفة بالمخاطر وأيام من النوم في العراء والجوع والضياع، لا يزال الطفل بداخلهم يقاوم قسوة الواقع. إنهم، ولو لدقائق، يستعيدون حقًا بسيطًا حرموا منه طويلًا: أن يكونوا أطفالًا لا مهاجرين.

غير أن تلك البراءة تصطدم بسرعة بمنطق القانون والإدارة. فالهدف الذي يجمع معظمهم لم يعد مجرد دخول سبتة، بل الحصول على الاعتراف الرسمي بأنهم قاصرون. فهذه الصفة القانونية لم تعد مجرد توصيف للعمر، بل أصبحت مفتاحًا للدخول إلى منظومة الحماية، بما توفره من مأوى وغذاء ورعاية، وهي أمور كان يفترض أن يجدها هؤلاء داخل أسرهم أو أوطانهم، لا خلف مكاتب الشرطة في مدينة متنازع عليها.

وتكشف الأرقام حجم التحول الذي تعيشه المدينة. ففي غضون أسابيع قليلة فقط، تضاعف عدد القاصرين الموضوعين تحت وصاية سلطات سبتة من بضع مئات إلى أكثر من ألف. وهو تطور لم يعد يعكس مجرد موجة هجرة عابرة، بل انتقال الظاهرة إلى مستوى جديد، فرض على السلطات الإسبانية البحث عن حلول استثنائية لم تكن مطروحة قبل أشهر.

ومن هنا جاء القرار بتحويل مدارس إلى مراكز إيواء مؤقتة، وهو إجراء يعكس، في الوقت نفسه، قدرة مؤسسات الدولة الإسبانية على تعبئة مواردها لمواجهة الطوارئ، كما يكشف حدود تلك القدرة أيضًا. فعندما تتحول المؤسسات التعليمية إلى فضاءات للإيواء، يصبح السؤال أكبر من مجرد تدبير أزمة ظرفية؛ إنه سؤال عن مدى استدامة هذا النموذج مع اقتراب الموسم الدراسي، وعن قدرة المدينة الصغيرة على استيعاب ضغط يفوق إمكاناتها الطبيعية.

ورغم الحرص على تخصيص فضاءات منفصلة للفتيات باعتبارهن الفئة الأكثر هشاشة، فإن ذلك لا يخفي حقيقة أن منظومة الحماية نفسها أصبحت تعمل عند حدودها القصوى. فكل طفل جديد يدخل هذه المنظومة يضيف عبئًا جديدًا على مؤسسات لم تُبن أصلًا لاستقبال هذا العدد الكبير من القاصرين.

وفي الوقت الذي ترافق فيه الشرطة الوطنية هؤلاء الأطفال وتحرسهم إلى حين إنهاء الإجراءات، تواصل فرق أخرى البحث عن قاصرين ما زالوا يتجولون في شوارع المدينة. وهذا التوازي بين الحماية والبحث يكشف أن الأزمة لم تنته بعد، وأن ما يظهر أمام مقر الشرطة ليس سوى الجزء المرئي من مشهد أكبر لا تزال فصوله تتكشف يومًا بعد آخر.

ويلفت التقرير أيضًا، دون أن يصرح بذلك، إلى ملاحظة ذات دلالة سياسية واجتماعية؛ إذ يؤكد أن جميع القاصرين تقريبًا ينحدرون من أصول مغاربية، مع غياب شبه كامل للمهاجرين القادمين من إفريقيا جنوب الصحراء. وهذه ليست مجرد ملاحظة ديموغرافية، بل مؤشر على أن الموجة الحالية تختلف عن موجات الهجرة التقليدية التي عرفتها سبتة في السنوات الماضية. فالحديث هنا لم يعد عن عبور قاري طويل، بل عن أزمة تلامس مباشرة الضفة المغربية، وتضع الشباب والأطفال المغاربة في قلب المشهد.

وفي النهاية، لا يبدو أن أكثر ما ينتظره هؤلاء الأطفال هو قرار إداري أو مكان للمبيت، بل اعتراف يمنحهم شعورًا بأنهم أصبحوا أخيرًا مرئيين بالنسبة إلى دولة ما. فبالنسبة لطفل افترق عن أسرته أو غادرها، تتحول ورقة رسمية بسيطة إلى بديل مؤقت عن الأسرة، وإلى وعد بالأمان، وإلى بداية حياة جديدة.

لكن السؤال الذي يظل معلقًا فوق كل هذه الابتسامات هو: كيف وصل الأمر بأطفال لم يبلغوا سن الرشد إلى أن تصبح أبواب مركز شرطة في سبتة أكثر اقترابًا من معنى الحماية من البيوت التي خرجوا منها؟ ذلك هو السؤال الذي لا يجيب عنه التقرير الإسباني، رغم أنه حاضر بين كل سطوره، لأنه لا يتعلق فقط بإدارة أزمة هجرة، بل بأزمة ثقة دفعت أطفالًا إلى الاعتقاد بأن مستقبلهم يبدأ خارج وطنهم.