​شهر الغفران.. هل نسينا الجوهر؟

0
89

​نحن الآن في أواخر شهر الرحمة، حيث تشتد العزائم ويتسابق الجميع نحو مضمار المغفرة والاحتساب. المشهد يبعث على الارتياح؛ مساجد تضج بالمصلين، أيادٍ تمتد بالإفطار، وتمر ومياه تُوزع في كل زاوية، وأخلاق تظهر في التعامل الحسن.. ليس في بلد بعينه، بل في كل بقاع الأرض التي يرفع فيها اسم الله.

​ولكن، هنا يبرز السؤال الأهم الذي يجب أن نواجه به أنفسنا بكل صدق:

هل الصيام والصلاة والقيام بصورتهم المجردة هم تذكرة العبور الوحيدة للمغفرة؟ وهل نيل “ليلة القدر” مرهون بالامتناع عن الطعام والشراب والتبرع بالمال فحسب؟

​هناك ما هو أعمق من ذلك بكثير..

​إن العبادات الشعائرية هي “الوسيلة”، أما “الغاية” فهي تهذيب هذه النفس وإصلاح ما فسد من علاقتنا مع الخلق والخالق. لذا، قف مع نفسك قليلاً وتساءل:

​بر الوالدين: هل أنت الابن البار الذي استوعب وصية الله فيهما؟ هل قدمت لهما الطاعة الحقيقية والتواصل الصادق، أم أنك تبرهما بـ “الفضل” من وقتك ومالك؟

​سلامة الصدر: هل تصالحت مع أقرب الناس إليك؟ هل نزعت غل الحقد والبغضاء من قلبك تجاه أخ أو قريب؟

​فقه الأقربون: هل تفقدت المحتاجين من أرحامك قبل أن تذهب بزكاتك للبعيد؟ هل زرتهم ووصلت ما انقطع بينكم؟

​عفة اللسان: هل كان لسانك حصيناً، أم أن صيامك كان عن الطعام فقط بينما ولغ لسانك في أعراض الناس وسوء القول؟

​إن التصالح مع الذات، ومع الجيران، والزملاء، والأرحام، هو الاختبار الحقيقي لنجاح صيامك. إن الله لا ينظر إلى صورنا وأعمالنا الجوفاء، بل ينظر إلى قلوبنا وما أصلحنا فيها.

​أدعو الله -ونحن في هذه الأيام المباركة- أن نراجع أنفسنا، وأن نحاسبها قبل أن تُحاسب، فالمغفرة الحقيقية تبدأ بقلب نقي ويد بيضاء ولسان ذاكر.