حين تُهزم الأسماء وتعود عبر الأحزاب… هل تُعيد الحركة الشعبية إحياء إرث آل شباط أم تكشف أزمة السياسة في فاس؟

0
118

في مدن مثل فاس، لا تبدأ الانتخابات يوم فتح مكاتب التصويت، بل تبدأ قبل ذلك بكثير… داخل المقاهي القديمة، وفي جلسات العائلات، وفي همسات المناضلين الحزبيين الذين يراقبون حركة الأسماء أكثر من البرامج. هناك، يصبح اسم المرشح أحيانًا أهم من لون الحزب، وتتحول بعض العائلات السياسية إلى ما يشبه “العلامات الانتخابية” التي يصعب إخراجها من المشهد حتى بعد الهزائم أو التحولات التنظيمية.

من هذا الباب تحديدًا، عاد اسم عائلة شباط ليطفو مجددًا فوق السطح السياسي بمدينة فاس، لكن هذه المرة ليس عبر الأمين العام السابق لحزب الاستقلال والعمدة الأسبق للمدينة، حميد شباط، بل عبر ابنته البرلمانية ريم شباط، التي تتداول مصادر إعلامية وسياسية اسمها بقوة كمرشحة محتملة باسم محمد أوزين وحزب الحركة الشعبية بدائرة فاس الشمالية خلال الانتخابات التشريعية المقبلة. غير أن المعطيات المتوفرة إلى حدود الساعة، رغم كثافتها، لا ترقى بعد إلى مستوى إعلان رسمي صادر عن الحزب أو عن القيادة المركزية بشكل مباشر، وهو ما يجعل التعامل مع الملف يحتاج إلى قدر كبير من التحفظ المهني والسياسي.

عدد من المنابر الإعلامية المحلية والوطنية تحدث بالفعل عن “حسم” الحركة الشعبية في اسم ريم شباط كمرشحة بدائرة فاس الشمالية، معتبرة أن الأمر يدخل ضمن إعادة ترتيب الأوراق التنظيمية للحزب بجهة فاس مكناس. لكن في المقابل، تكشف العودة إلى تصريحات سابقة ومتقاطعة لريم شباط نفسها أن المشهد لم يكن محسومًا بهذه البساطة قبل أشهر فقط، إذ سبق لها أن نفت بشكل صريح الأخبار التي تحدثت عن رفض أو قبول تزكيتها من طرف الحركة الشعبية، مؤكدة حينها أن علاقتها بالحزب جيدة دون إعلان رسمي عن الحسم النهائي في اللون السياسي الذي ستترشح به.

هذا التناقض بين “التسريبات السياسية” وغياب البلاغ التنظيمي الرسمي، يفتح الباب أمام قراءة أوسع لطبيعة تدبير التزكيات داخل الأحزاب المغربية، خصوصًا في المدن ذات الوزن الانتخابي والتاريخي مثل فاس، حيث تتحول التزكية أحيانًا إلى أداة لإعادة تشكيل موازين القوى المحلية أكثر من كونها مجرد اختيار انتخابي عادي.

فالذي يبدو واضحًا من خلال تتبع تحركات الحركة الشعبية خلال الأشهر الأخيرة، أن الحزب يعيش مرحلة إعادة بناء تنظيمية في عدد من الجهات، خاصة بجهة فاس مكناس، في محاولة لاستعادة جزء من حضوره التقليدي الذي تراجع خلال السنوات الماضية. تقارير إعلامية تحدثت عن اجتماعات تنظيمية مكثفة يقودها الأمين العام للحزب بهدف استقطاب وجوه انتخابية قادرة على إعادة “السنبلة” إلى واجهة التنافس المحلي. وفي هذا السياق، يبدو اسم عائلة شباط مغريًا انتخابيًا، بالنظر إلى الامتداد الشعبي والرمزي الذي ما يزال يحتفظ به داخل أجزاء من فاس، رغم التراجعات السياسية التي عرفها التيار خلال السنوات الأخيرة.

لكن خلف هذه الصورة، توجد طبقة أعمق من التحولات السياسية التي تعيشها المدينة نفسها. ففاس التي كانت لعقود واحدة من أكثر المدن إنتاجًا للنخب الحزبية والنقابية، أصبحت اليوم تعيش نوعًا من السيولة السياسية؛ حيث تتراجع الحدود الإيديولوجية لصالح الحسابات الانتخابية الصرفة، وتتحول عملية “الترحال السياسي” إلى جزء من هندسة المشهد الانتخابي بدل أن تبقى استثناءً. انتقال تيار شباط من جبهة القوى الديمقراطية نحو الحركة الشعبية، بعد سنوات من الصراع مع حزب الاستقلال، لا يمكن قراءته فقط كتحول تنظيمي، بل أيضًا كعلامة على تغير طبيعة العلاقة بين الأحزاب والوجوه الانتخابية النافذة.

في انتخابات 2021، تعرض حميد شباط لهزيمة قاسية سياسيًا وانتخابيًا، بينما تمكنت ريم شباط من دخول البرلمان عبر اللائحة الجهوية النسوية باسم جبهة القوى الديمقراطية. غير أن استمرار الحضور البرلماني للعائلة بدا مرتبطًا بالبحث عن “مظلة تنظيمية” أكثر قدرة على خوض انتخابات 2026 في ظروف مختلفة وأكثر تعقيدًا.

المثير في كل هذا، أن الحركة الشعبية نفسها تبدو أمام معادلة حساسة. فمن جهة، يحتاج الحزب إلى أسماء انتخابية تملك قدرة على تحريك القواعد المحلية داخل مدينة معقدة انتخابيًا مثل فاس. ومن جهة ثانية، يواجه الحزب انتقادات داخلية مرتبطة بطريقة تدبير التزكيات واستقطاب وجوه من خارج التنظيم، وهو ما أدى، بحسب تقارير إعلامية، إلى توترات واستقالات داخل بعض الهياكل الجهوية للحزب.

وهنا تحديدًا يظهر السؤال الحقيقي الذي يتجاوز مجرد اسم ريم شباط أو حميد شباط: هل أصبحت الأحزاب المغربية تبحث عن “القوة الانتخابية الجاهزة” أكثر من بحثها عن البناء التنظيمي الطويل؟ وهل تحولت بعض المدن الكبرى إلى فضاء لإعادة تدوير النخب السياسية نفسها بألوان حزبية مختلفة دون تغيير عميق في طبيعة العرض السياسي؟

فاس اليوم تبدو وكأنها مختبر مصغر لهذا التحول. مدينة تحمل ذاكرة سياسية ثقيلة، لكنها تعيش في الوقت نفسه حالة إنهاك اجتماعي واقتصادي تجعل جزءًا من الناخبين أكثر براغماتية وأقل اهتمامًا بالخطابات التقليدية. وفي مثل هذا المناخ، يصبح الرهان على الأسماء والعائلات والشبكات المحلية أقوى أحيانًا من الرهان على البرامج أو المرجعيات الفكرية.

وربما لهذا السبب بالذات، لا يبدو النقاش الحقيقي في فاس متعلقًا فقط بمن سيحصل على التزكية، بل بما إذا كانت الانتخابات المقبلة ستنتج فعلًا نخبًا سياسية جديدة، أم أنها ستعيد توزيع الأدوار بين نفس الأسماء التي غادرت من باب لتعود من نافذة حزبية أخرى.

ذلك أن أخطر ما يمكن أن تكشفه هذه التحولات، ليس فقط هشاشة الحدود بين الأحزاب، بل أيضًا التحول التدريجي للسياسة من صراع مشاريع إلى صراع تموقعات… حيث يصبح السؤال داخل عدد من المدن المغربية ليس: “أي مشروع نريد؟”، بل “من يملك الحظوظ الأكبر للفوز؟”.