اقتصاد الأزمات بالمغرب: المواطن الحلقة الأضعف بين تقلبات السوق واليماني يتوقع وصول الغازوال إلى 18 درهماً

0
130

في لحظة دولية مشحونة بالتوترات الجيوسياسية، يعود ملف المحروقات في المغرب إلى واجهة النقاش العمومي، ليس فقط كقضية أسعار، بل كاختبار حقيقي لقدرة الدولة على التوفيق بين منطق السوق ومتطلبات الاستقرار الاجتماعي. فمع تصاعد تداعيات الحرب في الشرق الأوسط، تتسارع التحولات في أسواق الطاقة العالمية، لتنعكس بشكل مباشر على الاقتصادات المستوردة، وفي مقدمتها المغرب، حيث تتزايد المخاوف من موجة جديدة من الغلاء قد تعمّق هشاشة القدرة الشرائية.

في هذا السياق، يحذر الحسين اليماني، الكاتب العام للنقابة الوطنية للبترول والغاز، من سيناريو تصاعدي مقلق، معتبراً أن ما يجري اليوم يتجاوز مجرد تقلبات ظرفية ليعكس تحولات عميقة في موازين القوى العالمية. فالحرب، بحسب تقديره، لا تقتصر على بعدها العسكري، بل تمتد إلى إعادة تشكيل خريطة التحكم في الموارد الاستراتيجية، وعلى رأسها الطاقة، في ظل صراع مفتوح بين القوى الكبرى.

الأرقام التي يقدمها اليماني تكشف جانباً من هذا القلق؛ إذ يشير إلى أن سعر الغازوال في السوق الدولية بلغ حوالي 11 درهماً للتر (نحو 1345 دولاراً للطن)، وهو مستوى يعكس توتراً واضحاً في سلاسل الإمداد. وعند إسقاط هذه المعطيات على البنية السعرية الوطنية، التي تشمل تكاليف النقل والتخزين والضرائب وهوامش الربح، يصبح احتمال بلوغ 18 درهماً للتر سيناريو وارداً، بل وربما قريباً، إذا استمرت نفس الدينامية التصاعدية.

غير أن الصورة الدولية ليست خطاً واحداً صاعداً، بل تخضع بدورها لتقلبات حادة وسريعة، تكشف هشاشة الرهانات المبنية على استمرار الأزمات. ففي تطور لافت، شهدت أسعار النفط في بورصات أوروبية، وعلى رأسها روتردام، تراجعاً يقارب 10% مباشرة بعد إشارات سياسية صدرت عن دونالد ترامب تميل إلى التهدئة وفتح أفق دبلوماسي. هذا المعطى يعيد التذكير بأن سوق الطاقة لا يتحرك فقط وفق منطق العرض والطلب، بل يتأثر بشكل حاد بالإشارات السياسية، حيث يمكن لتغريدة أو تصريح أن يبدد رهانات كاملة بُنيت على استمرار التوتر.

هذا التذبذب يضع ما يُوصف بـ”اقتصاد الأزمات” في موقف حرج، إذ يكشف أن بعض الفاعلين الذين يراهنون على ارتفاع دائم للأسعار قد يجدون أنفسهم أمام معادلة معاكسة في ظرف وجيز. فـ”الحرب دول”، كما يقال، يوم لك ويوم عليك، ما يعني أن الرهان على التصعيد كخيار دائم لتحقيق الأرباح يظل محفوفاً بالمخاطر، خاصة في سوق شديدة الحساسية للتطورات السياسية.

وتزداد الصورة تعقيداً مع استمرار التوتر في نقاط الاختناق الاستراتيجية، وعلى رأسها مضيق هرمز، الذي يشكل شرياناً أساسياً لتدفق النفط نحو الأسواق العالمية. فكل تهديد لهذا الممر يترجم فوراً إلى ارتفاع في الأسعار، ليس فقط بسبب نقص الإمدادات الفعلي، بل أيضاً بفعل المضاربات وتوقعات المخاطر، وهو ما يدفع الأسواق إلى التفاعل بشكل مبالغ فيه أحياناً.

في المقابل، يطرح منتقدو الوضع القائم سؤالاً جوهرياً: إلى أي حد يمكن ترك سوق حيوية كالمحروقات رهينة لمنطق العرض والطلب فقط؟ فالتقلبات الأخيرة، بين ارتفاعات مفاجئة وانخفاضات سريعة، أعادت إلى الواجهة اتهامات موجهة لبعض الفاعلين باستغلال الأزمات لتحقيق هوامش ربح مرتفعة، دون أن تنعكس بنفس السرعة على الأسعار عند التراجع. وهو ما يعمّق الإحساس لدى الرأي العام بوجود اختلال في ميزان الاستفادة من هذه التحولات.

ضمن هذا السياق، يتصاعد الجدل حول ضرورة ترجمة أي انخفاض دولي إلى تراجع فعلي في الأسعار الوطنية، خاصة بعد الزيادات القوية التي أثقلت كاهل المستهلك. فالدعوات تتجه نحو خفض لا يقل عن درهمين للتر، كحد أدنى يعكس التراجع المسجل في السوق الدولية، ويعيد جزءاً من التوازن المفقود في العلاقة بين السوق والمستهلك.

غير أن الإشكال لا يقف عند حدود التسعير، بل يمتد إلى معطى أكثر حساسية يتعلق بالأمن الطاقي. إذ أثار الكشف عن محدودية المخزون الاستراتيجي، الذي لا يتجاوز في بعض التقديرات 15 يوماً بدل 60 يوماً المنصوص عليها قانوناً، موجة قلق إضافية. ذلك أن هذا المعطى يطرح تساؤلات عميقة حول مدى جاهزية البلاد لمواجهة أزمات ممتدة، خاصة وأن كلفة التخزين تُحتسب يومياً ضمن تركيبة الأسعار التي يؤديها المواطن، سواء في زمن الاستقرار أو الأزمات.

في هذا الإطار، يدعو اليماني إلى تدخل عاجل للدولة، ليس فقط عبر إجراءات ظرفية كتخفيض الضرائب أو تحديد هوامش الربح، بل من خلال إعادة التفكير في النموذج الطاقي ككل. فتعزيز السيادة الطاقية، في نظره، يمر عبر إحياء قدرات التكرير الوطنية، وعلى رأسها شركة سامير، وتوسيع المخزون الاستراتيجي، إضافة إلى فصل أنشطة التخزين عن التوزيع لضمان شفافية أكبر في تحديد الأسعار.

لكن خلف هذا النقاش التقني، يطفو سؤال أعمق يتعلق بطبيعة الاختيارات الاقتصادية الكبرى: هل ينبغي الاستمرار في نموذج التحرير الكامل، أم العودة إلى أشكال من الضبط الذكي التي توازن بين جاذبية الاستثمار وحماية الاستقرار الاجتماعي؟ فالتجربة أظهرت أن تحرير السوق دون تأطير مؤسساتي قوي قد يفتح الباب أمام ممارسات احتكارية أو شبه احتكارية، خاصة في قطاعات ذات تركيز عالٍ.

وفي قراءة أوسع، يبدو أن المنطقة برمتها تظل رهينة دورات متكررة من التوتر، حيث تتداخل الجغرافيا السياسية مع الاقتصاد بشكل يجعل من الطاقة أداة صراع بقدر ما هي مورد حيوي. وبين من يراهن على استمرار الأزمات لتحقيق مكاسب ظرفية، ومن يدعو إلى بناء نموذج أكثر استقراراً واستباقية، يظل المواطن الحلقة الأضعف في معادلة معقدة.

في المحصلة، لا تبدو أزمة المحروقات مجرد انعكاس لاضطرابات خارجية، بل مرآة لاختلالات داخلية بنيوية، تتعلق بطريقة تدبير قطاع استراتيجي وحيوي. وبين ضغوط الخارج وإكراهات الداخل، يجد المغرب نفسه أمام معادلة دقيقة: إما إعادة ضبط البوصلة الطاقية وفق منطق السيادة والوقاية، أو الاستمرار في التفاعل مع الأزمات بمنطق رد الفعل، مع ما يحمله ذلك من كلفة اجتماعية متزايدة.

ومع استمرار حالة عدم اليقين في المشهد الدولي، تبدو كل المؤشرات متجهة نحو مرحلة أكثر تعقيداً، حيث لن تظل تداعيات المحروقات محصورة في محطات الوقود، بل ستمتد إلى النقل والمواد الغذائية وكلفة المعيشة عموماً، بما قد يعيد رسم خريطة التوتر الاجتماعي في البلاد، ويضع الحكومة أمام اختبار غير مسبوق في إدارة التوازنات الاقتصادية والاجتماعية.