شهر على حرب النار المفتوحة: كيف تعيد المواجهة الأمريكية الإسرائيلية مع إيران رسم موازين الشرق الأوسط؟

0
55
مع دخول الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران شهرها الثاني، تتكشف ملامح صراع معقد يتجاوز كونه مواجهة عسكرية مباشرة إلى كونه اختبارًا لإعادة تشكيل النظام الإقليمي والدولي.
إحدى الغارات على إيران خلال الحرب الحالية - صورة من الإنترنت

مع دخول الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران شهرها الثاني، تتكشف ملامح صراع معقد يتجاوز كونه مواجهة عسكرية مباشرة إلى كونه اختبارًا لإعادة تشكيل النظام الإقليمي والدولي.

فمنذ الضربات الأولى في أواخر فبراير (شباط)، قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إن بلاده استهدفت “عددًا كبيرًا من الأهداف الإيرانية” وأن “كل شيء تقريبًا تسنى تدميره”، وفق ما نقلته وكالة رويترز، في تبرير واضح لقرار الحرب باعتباره خطوة استباقية لمنع تهديدات محتملة بعد تعثر المفاوضات النووية.

ولكن هذا الخطاب الأمريكي سرعان ما تطور، حيث عاد ترامب لاحقًا ليؤكد أن الهدف الأساسي هو منع إيران من تطوير سلاح نووي وليس بالضرورة إسقاط النظام، في إشارة إلى غموض استراتيجي مقصود يوازن بين التصعيد وإبقاء باب التفاوض مفتوحًا .

في المقابل، نفت القيادة الإيرانية بشكل قاطع الرواية الأمريكية بشأن وجود قنوات تفاوض مباشرة، حيث أكد رئيس البرلمان الإيراني، محمد باقر قاليباف، أن الحديث عن مفاوضات “أخبار كاذبة”، متهمًا واشنطن بمحاولة “التلاعب بالأسواق المالية والنفطية” للهروب من مأزق الحرب.

وصرح مسؤولون إيرانيون بأن “الحرب ستنتهي عندما تقرر إيران ذلك”، في تحدٍ مباشر للضغوط الأمريكية، بينما توعدت طهران بالرد الكامل على ما وصفته بـ”العدوان”، وهو ما ترجمته عمليًا عبر استهداف قواعد أمريكية ومواقع إسرائيلية في المنطقة، بحسب ما أفادت رويترز.

إسرائيل وفرصة إعادة تشكيل الشرق الأوسط

أما على الجانب الإسرائيلي، فقد سعى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، إلى تقديم الحرب كفرصة استراتيجية لإعادة تشكيل الشرق الأوسط، حيث صرح بأن العمليات قد تكون “سريعة وحاسمة” لكنها قد تستغرق “بعض الوقت”، رافضًا فكرة الانزلاق إلى حرب طويلة الأمد.

وفي الوقت نفسه، كشف مسؤولون إسرائيليون عن استمرار العمليات العسكرية داخل إيران وامتدادها إلى جبهات أخرى مثل لبنان، في محاولة لتقويض النفوذ الإيراني الإقليمي، وهو ما أكدته أيضًا تقارير رويترز التي أشارت إلى اتساع رقعة المواجهة لتشمل الخليج ومناطق متعددة.

وتشير تقديرات استخباراتية أمريكية، نقلتها رويترز، إلى أن الضربات نجحت في تدمير نحو ثلث الترسانة الصاروخية الإيرانية، مع تراجع كبير في قدرات الطائرات المسيّرة، وهو ما اعتبرته واشنطن دليلًا على فعالية الحملة العسكرية. ومع ذلك، تؤكد هذه التقديرات نفسها أن إيران لا تزال تحتفظ بقدرات كافية لمواصلة الرد، ما يعكس طبيعة الصراع الاستنزافي الذي قد يطول أمده رغم الضربات المكثفة.

ضحايا الحرب

على الصعيد الإنساني، كشفت وكالة رويترز عن سقوط ما لا يقل عن 1270 قتيلًا في إيران منذ بداية الضربات، إلى جانب دمار واسع في البنية التحتية، في حين أدت الهجمات الإيرانية إلى سقوط قتلى في إسرائيل واستهداف منشآت أمريكية في المنطقة.

وتبرز هذه الأرقام حجم التكلفة البشرية للحرب، والتي حذر منها مفوض الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، فولكر تورك، مؤكدًا أن “القنابل والصواريخ ليست وسيلة لحل الخلافات”، داعيًا إلى العودة للمفاوضات .

الحرب مع التفاوض

رغم التصعيد العسكري، كشفت تقارير متطابقة لوكالة رويترز وتصريحات البيت الأبيض عن استمرار قنوات التواصل غير المباشر، حيث قال ترامب إن هناك “محادثات جيدة وبناءة للغاية”، بينما أكد البيت الأبيض أن المفاوضات “مستمرة ومثمرة” رغم نفي طهران. وهذا التناقض يعكس حالة “الحرب مع التفاوض”، حيث تستخدم الأطراف القوة العسكرية كأداة ضغط لتعزيز شروطها السياسية.

بالمجمل، تبدو الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران في شهرها الثاني كصراع مفتوح على عدة سيناريوهات: إما تسوية سياسية قسرية تُفرض تحت ضغط النار، أو انزلاق إلى مواجهة إقليمية أوسع، خاصة مع تهديدات إيران بإغلاق مضيق هرمز وتأثير ذلك على إمدادات الطاقة العالمية. وبينما يصر ترامب على أن إيران “هُزمت عسكريًا” ويتوعد بـ”فتح أبواب الجحيم” إذا لم تستجب، تصر طهران على أن ميزان القوة لم يُحسم بعد، ما يجعل هذا الصراع أحد أخطر التحولات الجيوسياسية في الشرق الأوسط خلال العقد الأخير.