وزير الخارجية الليبي الحويج: بتر خريطة المغرب في طرابلس “لا يمثلنا” ويكشف هشاشة التوافق السياسي ويضع ليبيا أمام أزمة دبلوماسية

0
104

تصدرت واقعة عرض خريطة المغرب “المبتورة” خلال أشغال مؤتمر قادة الاستخبارات العسكرية لدول الساحل والمتوسط 2026 في طرابلس عناوين الأحداث، لتفتح نافذة على أبعاد سياسية ودبلوماسية حساسة. فقد كشفت صور رسمية من المؤتمر، الذي أشرفت عليه حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة، عن اعتماد خلفية بصرية تضمنت خريطة للمنطقة لم تشمل كامل التراب المغربي، وهو ما وثقته عدسات المشاركين داخل القاعة الرسمية.

الحدث، الذي جاء في سياق اجتماع مخصص لمناقشة مكافحة الإرهاب والهجرة غير النظامية والجريمة المنظمة، لم يمر مرور الكرام. ففضاء استخباراتي رفيع المستوى يفترض فيه أعلى درجات الدقة في الرموز والتمثيلات، خاصة حين يتعلق الأمر بخرائط سيادية ذات حمولة سياسية واضحة، ما جعل الواقعة تحمل دلالات سياسية لا يمكن تجاهلها.

في تفاعل مباشر، تبرّأ وزير الخارجية بالحكومة الليبية المكلّفة من البرلمان، عبد الهادي الحويج، من الواقعة، مشددًا على أن ما حدث يخص حكومة الدبيبة حصريًا، نافياً أي صلة لحكومته بهذا الملف، ومشيرًا إلى الانقسام السياسي والمؤسساتي المستمر في ليبيا منذ سنوات: “الأمر حصل في طرابلس ونحن نعمل في بنغازي”، وقال أيضًا إن موقف حكومته معروف من ملف الصحراء المغربية، في إشارة إلى عدم تبني أي موقف يمس بالوحدة الترابية للمغرب.

لكن الصمت الرسمي من جهة حكومة الدبيبة، وعدم صدور أي توضيح مكتوب حول الواقعة، يزيد من تعقيد المشهد. فالواقعة تأتي في توقيت حساس، بعد أن شهدت العلاقات بين الرباط وطرابلس نوعًا من التقارب، تجسد في دعم المغرب لترشيح ليبيا لعضوية مجلس السلم والأمن الإفريقي سنة 2025، وهو ما كان محل تفاعل إيجابي من الطرف الليبي آنذاك.

الحدث يثير تساؤلات حول الرمزية السياسية للخرائط في الاجتماعات متعددة الأطراف، خصوصًا بحضور دول أوروبية وازنة مثل إيطاليا وفرنسا وإسبانيا واليونان، إلى جانب تركيا والجزائر وتونس. هل أصبحت الرموز البصرية أدوات للتعبير السياسي غير المباشر؟ وهل يعكس غياب المغرب عن المؤتمر موقفًا دبلوماسيًا متحفظًا تجاه طبيعة التوازنات التي حكمت تنظيم هذا اللقاء؟

الأمر يتجاوز مجرد خطأ بروتوكولي؛ فهو يسلط الضوء على هشاشة التوافق الإقليمي والدولي، ويعيد إلى الواجهة إشكالية توظيف الفضاءات الأمنية في تمرير إشارات سياسية، في وقت يفترض أن تشكل هذه المنصات أرضية لتوحيد الجهود في مواجهة التحديات المشتركة، بعيدًا عن أي توترات مرتبطة بقضايا سيادية حساسة، على رأسها ملف الوحدة الترابية للمملكة المغربية.

بين تبرؤ بنغازي من الواقعة والصمت الصادر عن طرابلس، يبقى الشارع الدبلوماسي والمراقب الإقليمي في انتظار توضيح رسمي من الجهة المنظمة، تفاديًا لأي انعكاسات محتملة على مسار العلاقات المغربية الليبية، خاصة أن الرباط ظلت منذ 2011 أحد أبرز الداعمين لاستقرار المؤسسات الليبية وفاعلاً أساسياً في تقريب وجهات النظر بين أطراف النزاع.

حتى لحظة كتابة هذه الأسطر، لم تصدر طرابلس أي توضيحات حول ملابسات عرض خريطة المغرب بشكل مبتور أو خلفيات اعتمادها ضمن المواد البصرية الرسمية، ما يجعل الواقعة مفتوحة على احتمالات سياسية ودبلوماسية متعددة، ويؤكد على أن التفاصيل الرمزية في المؤتمرات الأمنية لا تقل أهمية عن القرارات نفسها.