المغرب يضرب قبل الانفجار: تفكيك خلية هجينة يكشف تحوّل الإرهاب إلى جريمة متنكرة ويختبر صلابة العقيدة الأمنية الاستباقية

0
112

في لحظةٍ تُختبر فيها قدرة الدول على التنبّه قبل الانفجار، اختار المغرب مرةً أخرى أن يسبق الخطر بخطوة. لم تكن العملية الأمنية التي أعلنت عنها مصالح المكتب المركزي للأبحاث القضائية مجرّد تدخل عابر لتوقيف مشتبه فيهم، بل بدت كحلقة جديدة ضمن سردية أمنية متماسكة تُبنى بهدوء منذ سنوات، عنوانها: الاستباق بدل ردّ الفعل.

العملية التي استهدفت خلية مكوّنة من ستة أفراد موزعين على أربع مدن، من القنيطرة إلى الدار البيضاء مرورًا بسيدي قاسم وسيدي الطيبي، تكشف عن معطى مركزي: لم يعد التهديد الإرهابي في صيغته التقليدية، بل بات يتقاطع مع الجريمة المنظمة في أشكال هجينة، حيث يتحول السطو والسرقة إلى مصدر تمويل محتمل لمشاريع أكثر خطورة. هذا التداخل بين “الإجرامي” و”المتطرف” يعكس تحوّلًا في بنية التهديد، ويطرح سؤالًا أكبر: هل نحن أمام جيل جديد من الخلايا التي تشتغل خارج القوالب الكلاسيكية للتنظيمات الإرهابية؟

المعطيات التي كشفها المكتب المركزي للأبحاث القضائية تشير إلى حجز أسلحة بيضاء، أقنعة، مركبات، ومخطوطات ذات طابع متطرف، وهي تفاصيل تبدو في ظاهرها تقنية، لكنها في عمقها تعكس مرحلة متقدمة من الإعداد، حيث لم تعد الخلايا تنتظر الدعم الخارجي، بل تسعى إلى بناء قدراتها ذاتيًا، ولو عبر أنشطة إجرامية محلية. وهنا تحديدًا تكمن خطورة النموذج: استقلالية نسبية، ومرونة في التمويل، وقدرة على التخفّي داخل النسيج الاجتماعي.

غير أن ما يلفت الانتباه أكثر من طبيعة الخلية، هو طريقة تفكيكها. فالتدخل المتزامن في عدة مدن، والتتبع الدقيق لتحركات المشتبه فيهم، يعكسان مستوى عالٍ من التنسيق بين المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني والمديرية العامة للأمن الوطني، في نموذج أمني يقوم على الدمج بين الاستخبارات المسبقة والتدخل الميداني السريع. هذا النموذج لم يعد مجرد خيار تقني، بل تحول إلى عقيدة أمنية قائمة بذاتها.

في العمق، تؤكد هذه العملية أن المقاربة المغربية لا تنتظر اكتمال الجريمة، بل تتدخل في مراحلها الأولى: عند الاستقطاب، أو أثناء التخطيط، أو حتى قبل توفير الوسائل اللوجستية. إنها فلسفة “إجهاض الفكرة قبل الفعل”، وهي مقاربة أثبتت فعاليتها في سياق إقليمي يتسم بسيولة التهديدات وتحوّلها المستمر.

لكن القصة لا تنتهي عند حدود التوقيف. فاستمرار التحقيقات لتحديد الامتدادات المحتملة للخلية يكشف عن وعي أمني بأن الخطر لا يُختزل في أفراد، بل في شبكات وعلاقات قد تمتد جغرافيًا وفكريًا. وهنا يبرز البعد الأكثر تعقيدًا: تفكيك البنية غير المرئية للتطرف، وليس فقط مظاهره المباشرة.

بالموازاة مع ذلك، يستند المغرب إلى ترسانة قانونية تتيح التحرك بمرونة وصرامة في الآن ذاته، مدعومة ببرامج موازية تستهدف الجذور العميقة للتطرف، من خلال التأطير الديني وإعادة الإدماج والتوعية المجتمعية. وهي معادلة دقيقة بين الأمني والوقائي، تُراهن على تقليص منسوب القابلية للتطرف داخل المجتمع.

كما لا يمكن فصل هذه النجاحات عن شبكة التعاون الدولي التي نسجها المغرب، والتي تتيح تبادلًا فعالًا للمعلومات حول التهديدات العابرة للحدود. ففي زمن لم تعد فيه الخلايا تعترف بالجغرافيا، يصبح الأمن نفسه عابرًا للحدود.

في المحصلة، لا تُقرأ هذه العملية كنجاح أمني ظرفي، بل كمؤشر على نضج نموذج متكامل في إدارة ملف الإرهاب. نموذج يطرح نفسه اليوم ليس فقط كآلية لحماية الداخل، بل كمرآة لتحولات أعمق: كيف يمكن لدولة أن تحوّل التهديد إلى فرصة لإعادة بناء عقيدتها الأمنية، وكيف يمكن لليقظة أن تصبح سياسة، لا مجرد رد فعل.

السؤال الذي يظل مفتوحًا: إلى أي حد يمكن لهذا النموذج أن يصمد أمام التهديدات القادمة، خاصة مع التحولات المتسارعة في أساليب التنظيمات المتطرفة؟ هنا تحديدًا، تبدأ القصة الحقيقية.