في سياق نقاش إعلامي متجدد حول حدود دور الإعلام العمومي في المغرب، أثار ظهور القيادي السياسي محمد أوزين داخل استوديو القناة العمومية 2M جدلاً واسعاً، بعد تصريحات حادة وجه فيها انتقادات مباشرة لغياب البرامج الحوارية المنتظمة، ولطبيعة النقاش العمومي الذي لا يظهر ـ حسب تعبيره ـ إلا في لحظات الاحتقان الاجتماعي أو السياسي.
اللقاء، الذي جرى تداوله على نطاق واسع عبر منصات التواصل يوم 9 أبريل 2026، لم يكن مجرد مداخلة سياسية عادية، بل تحول إلى مساحة سجالية حول وظيفة الإعلام العمومي: هل هو منصة للنقاش المستمر أم مجرد واجهة تُفعَّل عند الأزمات؟ هذا السؤال كان في قلب المرافعة التي قدمها أوزين، حين وجه نقداً مباشراً لما اعتبره “تذبذباً في استمرارية الحوار العمومي”، في إشارة إلى محدودية حضور البرامج الحوارية ذات الطابع السياسي.
من الناحية التواصلية، بدا واضحاً أن المداخلة كسرت نمط المجاملة الإعلامية المعتادة داخل الاستوديوهات، حيث اعتمد المتحدث نبرة هجومية نقدية، ركزت على مسألة التمويل العمومي وربطها بمسؤولية الخدمة الإعلامية تجاه المواطن. هذا الطرح أعاد إلى الواجهة إشكالية قديمة تتعلق بعلاقة الإعلام العمومي بالسلطة السياسية وبمدى استقلالية التحرير في القنوات الوطنية.
في المقابل، حاولت إدارة الحوار داخل الاستوديو الحفاظ على توازن النقاش وتفادي انزلاقه نحو المواجهة المباشرة، عبر التأكيد على مبدأ تعدد الآراء وفتح المجال أمام مختلف الفاعلين السياسيين. غير أن حدة النقاش أظهرت ـ وفق متابعين ـ ارتباكاً نسبياً في تدبير اللحظة الحوارية، وهو ما غذّى الجدل حول مدى جاهزية الإعلام العمومي لاستيعاب النقد المباشر داخل فضائه.
وتبرز خلف هذا النقاش أسئلة أعمق تتجاوز الواقعة نفسها، وتتعلق بتحول المشهد الإعلامي المغربي في ظل ضغط الشبكات الاجتماعية، وتراجع ثقة جزء من الجمهور في الخطاب التلفزيوني التقليدي. فالإعلام اليوم لم يعد مجرد ناقل للمعلومة، بل أصبح ساحة صراع رمزي حول التأويل والتأثير وصناعة الرأي العام.
كما أن حضور خطاب نقدي من داخل استوديو قناة عمومية يعكس، في جانب منه، انتقالاً تدريجياً من منطق “الضبط الإعلامي” إلى منطق “المساءلة العلنية”، حيث لم يعد الفاعل السياسي يتردد في مساءلة الوسيط الإعلامي أمام الجمهور مباشرة، وهو ما يضع المؤسسات الإعلامية أمام اختبار جديد يتعلق بالمرونة والحياد والقدرة على إدارة النقاشات الحادة.
وفي النهاية، يمكن القول إن هذه اللحظة الإعلامية، بغض النظر عن تقييم أطرافها، تكشف عن تحولات أعمق في بنية النقاش العمومي بالمغرب، حيث تتداخل السياسة بالإعلام، ويتحول الاستوديو التلفزيوني من فضاء للعرض إلى ساحة اختبار حقيقية لحدود السلطة الرمزية لكل من السياسي والإعلامي معاً.