جبار مهنا في سجن البليدة.. هل بدأت الجزائر تصفية حساباتها الداخلية أم تقديم قرابين سياسية للخارج؟
لم يكن خبر إيداع الجنرال جبار مهنا، المدير السابق للاستخبارات الخارجية الجزائرية، السجن العسكري بالبليدة مجرد واقعة قضائية عابرة داخل دولة اعتادت على إدارة ملفاتها الأمنية خلف الأبواب المغلقة. فحين يتعلق الأمر بأحد أبرز رجال الظل الذين مروا من قلب جهاز الاستخبارات الخارجية، فإن القضية تتجاوز شخص الرجل لتفتح نافذة واسعة على ما يجري داخل بنية السلطة الجزائرية نفسها، في لحظة إقليمية ودولية شديدة الحساسية.
التوقيت وحده كافٍ لإثارة الأسئلة. فالقرار جاء بينما لا تزال قضية المعارض الجزائري المقيم في فرنسا أمير بوخرص، المعروف باسم “أمير دي زاد”، تتفاعل داخل أروقة القضاء الفرنسي، بعد أن تحولت من مجرد اتهامات إعلامية وسياسية إلى تحقيقات قضائية تتحدث عن شبهات تورط مسؤولين وعناصر مرتبطة بأجهزة الدولة الجزائرية في عملية اختطاف فوق التراب الفرنسي. وتشير تقارير إعلامية دولية إلى أن السلطات الفرنسية كانت تسعى للاستماع إلى عدد من المسؤولين الجزائريين السابقين والحاليين ضمن هذا الملف، فيما تم ربط اسم جبار مهنا مباشرة بسياق هذه التحقيقات.
لكن قراءة الحدث من زاوية قضائية فقط قد تكون قراءة ناقصة. ففي الأنظمة التي تلعب فيها المؤسسة الأمنية أدوارا تتجاوز الأمن إلى السياسة والاستراتيجية وصناعة القرار، يصبح سقوط مسؤول استخباراتي بهذا الحجم مؤشرا على تحولات أعمق من مجرد متابعة قضائية. فالرجل لم يكن موظفا عاديا داخل جهاز الدولة، بل أحد أبرز الوجوه التي ارتبطت بإدارة ملفات الأمن الخارجي والعمليات الحساسة خارج الحدود، كما أنه ينتمي إلى جيل الجنرالات الذين صعدوا خلال سنوات العشرية السوداء، وهي المرحلة التي أعادت تشكيل الخريطة الحقيقية للنفوذ داخل الجزائر لعقود طويلة.
من هنا تبدو القضية وكأنها تتقاطع مع مسارين متوازيين؛ الأول خارجي يتعلق بمحاولة احتواء أزمة دبلوماسية وقضائية متفاقمة مع فرنسا، والثاني داخلي يرتبط بإعادة ترتيب مراكز القوة داخل النظام الجزائري.
في البعد الخارجي، تواجه الجزائر وضعا معقدا. فملف أمير بوخرص لم يعد مجرد خلاف سياسي بين معارض وسلطات بلده، بل أصبح ملفا قضائيا تمس تداعياته العلاقات بين دولتين. وقد شهدت القضية خلال الأشهر الماضية اعتقالات وتحقيقات واتهامات متبادلة بين باريس والجزائر، كما طالت الاتهامات أشخاصا يشتبه في ارتباطهم بمؤسسات رسمية جزائرية.
وفي مثل هذه الحالات، تلجأ الدول غالبا إلى تقديم إشارات سياسية وقضائية تهدف إلى امتصاص الضغوط الخارجية وإظهار وجود معالجة داخلية للملف. لذلك يرى بعض المراقبين أن وضع مهنا خلف القضبان قد يحمل رسالة غير معلنة إلى باريس مفادها أن الجزائر تتعامل مع القضية داخل مؤسساتها العسكرية والقضائية، وأنها ليست بصدد تجاهل الاتهامات أو ترك الملف يتفاقم أكثر. وقد ذهبت بعض التحليلات الأجنبية بالفعل إلى اعتبار اعتقاله مؤشرا على محاولة تهدئة التوتر مع فرنسا.
غير أن هذا التفسير لا يكفي وحده لفهم الصورة كاملة. فالجزائر تعيش منذ سنوات دينامية متسارعة لإعادة توزيع النفوذ داخل مؤسساتها السيادية. فمنذ الحراك الشعبي سنة 2019، لم تتوقف موجات الإقالات والمحاكمات وإعادة الهيكلة داخل المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية. وقد شهدت البلاد سقوط أسماء كانت إلى وقت قريب تعتبر من ركائز النظام، فيما صعدت أسماء أخرى بشكل سريع إلى مراكز القرار.
هذا المسار يعكس حقيقة غالبا ما تغيب عن النقاش العام؛ وهي أن الدولة الجزائرية تعيش منذ سنوات مرحلة انتقال غير معلنة بين أجيال النفوذ. فجيل الجنرالات الذين تشكلت سلطتهم خلال سنوات الحرب الأهلية لم يعد يحتكر المجال نفسه الذي كان يمتلكه سابقا، بينما تحاول مراكز قوة جديدة فرض حضورها داخل معادلة الحكم.
ولهذا يبدو جبار مهنا اليوم أكثر من مجرد مسؤول سابق متهم في قضية حساسة. إنه يمثل، رمزيا وسياسيا، جزءا من مرحلة كاملة داخل المنظومة الأمنية الجزائرية. وعندما يُودع رجل بهذا الوزن السجن العسكري، فإن الرسالة لا تُوجَّه فقط إلى الخارج، بل أيضا إلى الداخل، حيث تدور معارك النفوذ الحقيقية بعيدا عن الأضواء.
الأخطر في هذه القضية أنها تكشف هشاشة الحدود الفاصلة بين الأمن والسياسة والقضاء داخل الأنظمة المغلقة. فحين يصبح القضاء جزءا من إدارة الصراعات بين مراكز القوة، يصعب التمييز بين المحاسبة القانونية الحقيقية وبين توظيف القانون لإعادة رسم موازين النفوذ. وهنا يبرز السؤال الذي يرافق معظم المحاكمات الكبرى داخل الأنظمة ذات الطابع الأمني: هل يتعلق الأمر بمحاسبة أفراد ارتكبوا تجاوزات، أم بإعادة ترتيب الخريطة الداخلية للسلطة؟
كما أن القضية تطرح إشكالا أوسع يتعلق بمستقبل المؤسسة الأمنية الجزائرية نفسها. فالأجهزة الاستخباراتية بطبيعتها تستمد قوتها من السرية والاستمرارية والثقة الداخلية. لكن عندما تتحول قياداتها السابقة إلى موضوع لتحقيقات ومحاكمات وصراعات معلنة، فإن ذلك يكشف حجم التحولات التي تعيشها هذه المؤسسات، ويعكس وجود مراجعات عميقة داخل بنية الدولة.
وفي النهاية، قد يكون السجن العسكري بالبليدة مجرد عنوان ظاهر لقصة أكبر بكثير من جبار مهنا نفسه. فالرجل ربما يكون اليوم في قلب ملف قضائي، لكن القضية الحقيقية تبدو مرتبطة بما يجري خلف جدران السلطة الجزائرية من إعادة تشكيل للتوازنات، ومن صراع صامت بين إرث الماضي ومتطلبات المستقبل.
ويبقى السؤال الأكثر عمقا: هل ما نشهده هو سقوط رجل استخبارات سابق، أم أننا أمام فصل جديد من إعادة كتابة قواعد السلطة داخل الجزائر، حيث لم يعد الصراع يدور حول من يحكم فقط، بل حول من يملك حق البقاء داخل دوائر النفوذ عندما تتغير موازين القوة؟