خريطة تونسية تشعل ذاكرة الحدود بين المغرب والجزائر… عندما أيقظ خطأ تلفزيوني أشباح التاريخ والجغرافيا

0
65

لم تكن مجرد خريطة عابرة ظهرت لبضع ثوانٍ على شاشة تلفزيون عمومي تونسي. ففي منطقة لا تزال الذاكرة السياسية فيها محكومة بملفات الحدود والسيادة والإرث الاستعماري، يمكن لصورة جغرافية واحدة أن تفتح أبواباً واسعة من الجدل، وأن تعيد إلى الواجهة أسئلة ظلت مؤجلة أكثر مما حُلّت.

هكذا وجدت القناة التونسية العمومية نفسها في قلب عاصفة إعلامية وسياسية بعدما بثت خلال برنامج مخصص للحديث عن الاستعدادات الخاصة بكأس العالم 2026 خريطة للمغرب تضم أقاليمه الجنوبية، وتُظهر أيضاً امتداداً جغرافياً نحو ما يعرف تاريخياً بالصحراء الشرقية الواقعة داخل الحدود الجزائرية الحالية. وما إن انتشرت اللقطة على منصات التواصل الاجتماعي حتى تحولت من مجرد مادة بصرية إلى قضية سياسية كاملة الأركان، خصوصاً داخل الجزائر حيث أُعيد تداولها على نطاق واسع، وسط قراءات وتأويلات تجاوزت بكثير حدود الخطأ التقني الذي تحدثت عنه المؤسسة الإعلامية التونسية لاحقاً.

سارعت إدارة القناة إلى إصدار بيان توضيحي أكدت فيه أن الخريطة تم تحميلها من شبكة الإنترنت دون التثبت الكافي من مصدرها أو دقتها، وأن الأمر لا يعكس أي موقف رسمي أو توجه تحريري للمؤسسة. لكن الاعتذار لم ينهِ الجدل، لأن المسألة في جوهرها لا تتعلق بخريطة فقط، بل بما تمثله الخرائط نفسها في منطقة المغرب الكبير. فالخريطة هنا ليست رسماً جغرافياً محايداً، بل وثيقة سياسية ورمز للسيادة وامتداد للذاكرة الجماعية، ولهذا يصبح أي خطأ فيها قابلاً للتحول إلى أزمة دبلوماسية أو إعلامية.

تكشف ردود الفعل الجزائرية عن حقيقة أعمق من الواقعة ذاتها، وهي أن ملف الحدود ما زال يشكل إحدى أكثر القضايا حساسية في الوعي السياسي الجزائري والمغربي معاً. فبعد أكثر من ستة عقود على استقلال الجزائر، لا تزال بعض الملفات المرتبطة بالترسيم الحدودي حاضرة في النقاشات العامة، ليس باعتبارها قضايا قانونية فحسب، بل باعتبارها جزءاً من السرديات الوطنية التي بنت عليها الدول الحديثة تصورها للتاريخ والشرعية والسيادة.

ولفهم حجم التفاعل الذي رافق هذه الواقعة، لا بد من العودة إلى مرحلة تأسيس الدولة الوطنية في شمال إفريقيا بعد الاستعمار. فحين كانت فرنسا تدير الجزائر باعتبارها جزءاً من أراضيها، أجرت تعديلات متتالية على الحدود الإدارية بين المجالات الترابية الخاضعة لها. وتذهب قراءات تاريخية مغربية إلى أن مناطق واسعة من الجنوب الغربي الجزائري الحالي كانت ترتبط تاريخياً بالمجال السياسي المغربي من خلال أنظمة البيعة والعلاقات القبلية والروابط التجارية والدينية، قبل أن تعيد الإدارة الاستعمارية الفرنسية رسم الحدود وفق اعتبارات أمنية وإدارية تخدم مشروعها الاستعماري.

في المقابل، استقرت الدولة الجزائرية المستقلة على مبدأ احترام الحدود الموروثة عن الاستعمار، وهو المبدأ الذي تبنته منظمة الوحدة الإفريقية لاحقاً لتجنب انفجار نزاعات حدودية واسعة في القارة. ومنذ ذلك الحين أصبح الخلاف بين القراءة التاريخية والواقع القانوني المعترف به دولياً أحد أبرز مصادر التوتر الصامت بين البلدين.

لقد كانت حرب الرمال سنة 1963 التعبير الأكثر وضوحاً عن هذا التناقض. فرغم قصر مدة المواجهة العسكرية، فإن آثارها النفسية والسياسية ظلت ممتدة في الذاكرة الوطنية لدى الطرفين. ومنذ ذلك التاريخ لم يعد ملف الحدود مجرد قضية جغرافية، بل تحول إلى عنصر مؤثر في تشكيل صورة كل بلد لدى الرأي العام في البلد الآخر. ولذلك فإن أي إشارة مرتبطة بالخرائط أو الحدود تستحضر تلقائياً ذلك الإرث الثقيل الذي لم تستطع العقود اللاحقة محوه بالكامل.

غير أن الجدل الحالي لا يمكن فصله أيضاً عن السياق السياسي والإقليمي الراهن. فالعلاقات المغربية الجزائرية تعيش منذ سنوات واحدة من أكثر مراحلها توتراً، في ظل القطيعة الدبلوماسية وإغلاق الحدود البرية وتعثر مختلف مبادرات الحوار. وفي مثل هذه الأجواء تصبح الرموز أكثر تأثيراً من الوقائع نفسها، وتتحول صورة أو تصريح أو حتى خطأ إعلامي إلى مادة قابلة للتوظيف السياسي والإعلامي.

أما تونس، فقد وجدت نفسها بدورها في موقع حساس بسبب طبيعة علاقاتها الحالية مع الرباط. فمنذ استقبال الرئيس قيس سعيّد لزعيم جبهة البوليساريو خلال قمة طوكيو الإفريقية سنة 2022، دخلت العلاقات المغربية التونسية مرحلة غير مسبوقة من البرود الدبلوماسي، تجلت في استدعاء المغرب لسفيره واستمرار شغور المنصب إلى اليوم. ولهذا السبب بالذات اكتسبت الواقعة الأخيرة أبعاداً إضافية، إذ لم تُقرأ فقط باعتبارها خطأ مهنياً داخل مؤسسة إعلامية، بل وُضعت ضمن سياق سياسي أوسع تحكمه الشكوك المتبادلة وحالة الفتور القائمة بين البلدين.

لكن بعيداً عن السجال السياسي، تطرح الواقعة سؤالاً مهنياً لا يقل أهمية. ففي عصر الإعلام الرقمي والذكاء الاصطناعي وتدفق المحتوى من مصادر لا حصر لها، أصبحت مسؤولية التحقق من المواد البصرية لا تقل أهمية عن التحقق من الأخبار والنصوص. فالخرائط ليست مجرد عناصر توضيحية، بل أدوات معرفية وسياسية يمكن أن تؤثر في الرأي العام وتعيد إنتاج نزاعات أو حساسيات قائمة. ومن هنا فإن الخطأ التحريري، حتى عندما يكون غير مقصود، قد يكشف هشاشة بعض آليات التحقق داخل المؤسسات الإعلامية ويطرح تحديات جديدة أمام أخلاقيات المهنة.

وربما تكشف هذه الحادثة في عمقها مأزقاً أكبر يعيشه الفضاء المغاربي بأكمله. فبعد عقود من الاستقلال، ما زالت قضايا الذاكرة والحدود والتاريخ قادرة على إشعال النقاشات أكثر من قضايا التنمية المشتركة والاندماج الاقتصادي والتكامل الإقليمي. وبينما تتكتل مناطق العالم حول المصالح المستقبلية، يبدو أن المغرب الكبير لا يزال أسير ملفات الماضي التي تعود إلى الواجهة كلما ظهرت خريطة أو صدر تصريح أو اندلع خلاف سياسي جديد.

وهنا يبرز السؤال الحقيقي الذي يتجاوز الواقعة نفسها: هل تكمن الأزمة في الخريطة التي ظهرت على شاشة تلفزيون، أم في الخرائط الذهنية والسياسية التي ما تزال تفصل شعوب المنطقة عن مشروع مغاربي ظل مؤجلاً منذ عقود؟ فحين تصبح صورة جغرافية قادرة على إحياء صراعات الماضي بهذه السرعة، فإن المشكلة ربما لم تعد في حدود الأرض بقدر ما أصبحت في حدود الثقة المفقودة بين دول يفترض أن يجمعها التاريخ والمصير أكثر مما يفرقها.