شلل الدفاع: حين تتحول مواجهة إصلاح المحاماة إلى اختبار حاد لهيبة الدولة وثقة العدالة

0
116

شلل العدالة الصامت.. حين يتحول الخلاف حول قانون المحاماة إلى اختبار لثقة المغاربة في الإصلاح

ليست كل الأزمات التي تهز مؤسسات الدولة تبدأ بصخب الشارع أو بضجيج السياسة. أحياناً تبدأ من داخل المهن التي تشكل الأعمدة الخفية لاستقرار المجتمع. وهذا بالضبط ما يحدث اليوم داخل منظومة العدالة المغربية، بعدما أعلنت جمعية هيئات المحامين بالمغرب توقيفاً شاملاً وإنذارياً عن تقديم الخدمات المهنية لمدة أسبوع كامل، من 15 إلى 21 يونيو 2026، في خطوة تصعيدية غير مسبوقة تأتي على خلفية الخلاف المتصاعد مع وزارة العدل حول مشروع قانون مهنة المحاماة والتصريحات الأخيرة المنسوبة للوزير.

في ظاهر الأمر يبدو المشهد وكأنه نزاع مهني بين هيئة مهنية وسلطة حكومية حول نص قانوني ما يزال في طور النقاش. لكن التوقف عند هذا المستوى من القراءة يجعلنا نفقد جوهر القضية. فالمحاماة ليست مهنة عادية داخل البناء المؤسساتي للدولة، بل هي أحد الأضلاع الأساسية لمثلث العدالة إلى جانب القضاء والنيابة العامة. وعندما يقرر هذا الضلع التوقف الجماعي عن العمل، فإن الرسالة تتجاوز حدود المهنة لتصل إلى سؤال أكبر يتعلق بطريقة صناعة القوانين نفسها، وحدود التشاركية في تدبير الإصلاحات الكبرى، ومدى قدرة المؤسسات على إدارة الاختلاف دون الوصول إلى منطق كسر العظم.

وراء هذا التصعيد توجد قصة أطول من مجرد أسبوع من الإضراب. فمنذ أشهر يعيش مشروع قانون المحاماة على وقع شد وجذب بين وزارة العدل وجمعية هيئات المحامين. فالهيئة المهنية تعتبر أن الصيغ التي خرج بها المشروع حملت تراجعات تمس استقلالية المهنة وتنظيمها الذاتي وموقعها داخل منظومة العدالة، بينما ترى الحكومة أن الإصلاح ضرورة لملاءمة المهنة مع التحولات القانونية والمؤسساتية التي تعرفها البلاد. وبين الروايتين ظل الحوار يتقدم أحياناً ويتعثر أحياناً أخرى، إلى أن وصل إلى مرحلة فقد فيها الطرفان جزءاً مهماً من الثقة المتبادلة.

غير أن أخطر ما تكشفه هذه الأزمة ليس مضمون المواد القانونية المختلف حولها، بل طبيعة العلاقة المتوترة بين الفاعلين الرئيسيين في ورش إصلاح العدالة. فحين يشعر المحامون بأنهم غير مشاركين بالقدر الكافي في صياغة القانون الذي سينظم مستقبل مهنتهم، وحين تعتبر الوزارة أن مشروعها الإصلاحي يواجه مقاومة مستمرة من الجسم المهني، يتحول النقاش من نقاش حول النصوص إلى نقاش حول الشرعية والثقة والتمثيلية. وهنا تصبح الكلمات أكثر تأثيراً من المواد القانونية نفسها، وتتحول التصريحات الإعلامية إلى وقود إضافي للأزمة بدل أن تكون جسراً للحل.

لكن المواطن العادي، البعيد عن كواليس الاجتماعات والبلاغات، هو أول من يلمس آثار هذا الاحتقان. فكل يوم يتوقف فيه المحامون عن أداء مهامهم يعني جلسات مؤجلة، وملفات متعثرة، ومواعيد قضائية مؤجلة، وحقوقاً تنتظر الحسم. بالنسبة للمقاول الذي ينتظر حكماً في نزاع تجاري، أو للأجير الذي يطالب بحقوقه الاجتماعية، أو للأسرة التي تنتظر حكماً في قضية أسرية، لا تبدو الخلافات التقنية حول مشروع القانون ذات أهمية كبيرة. ما يهم هو أن العدالة تستمر في الاشتغال وأن الزمن القضائي لا يتحول إلى عبء إضافي على المتقاضين.

ومن زاوية أوسع، تكشف هذه المواجهة عن معضلة مزمنة رافقت العديد من مشاريع الإصلاح في المغرب خلال السنوات الأخيرة. فالدولة أصبحت تنتج إصلاحات كثيرة في قطاعات متعددة، لكن التحدي الحقيقي لم يعد يكمن في كتابة النصوص القانونية أو المصادقة عليها داخل البرلمان، بل في بناء التوافقات المجتمعية والمهنية التي تمنح تلك النصوص شرعية الاستمرار. فالقانون الذي يولد وسط حالة من الرفض الواسع قد يمتلك القوة القانونية، لكنه يظل مفتقراً إلى القوة الاجتماعية التي تجعل تطبيقه سلساً ومستقراً.

ولعل ما يزيد من حساسية الملف أن المحاماة في المغرب ليست مجرد نشاط مهني اقتصادي. إنها جزء من الذاكرة السياسية والحقوقية للبلاد. فمن داخل هيئات الدفاع خرجت أسماء لعبت أدواراً بارزة في معارك الحقوق والحريات وبناء دولة القانون. ولذلك فإن أي نقاش حول مستقبل المهنة يتحول تلقائياً إلى نقاش حول مستقبل أحد أهم الفاعلين التاريخيين في المجال الحقوقي والقضائي. ولهذا السبب تحديداً تبدو ردود الفعل الحالية أكبر من مجرد خلاف تقني حول مواد قانونية أو شروط ممارسة المهنة.

التجارب المقارنة في عدد من الدول تظهر أن الصدام بين السلطة التنفيذية وهيئات المحامين غالباً ما يكون مؤشراً على وجود خلل في قنوات الوساطة والحوار أكثر مما يكون خلافاً حول التفاصيل القانونية نفسها. فعندما تصل المفاوضات إلى مرحلة الإضرابات والتوقفات المهنية الشاملة، فإن ذلك يعني أن الأطراف المعنية لم تعد تتبادل الحجج فقط، بل أصبحت تتبادل رسائل القوة. وهنا ينتقل النقاش من فضاء الإصلاح إلى فضاء موازين القوى، وهو انتقال نادراً ما ينتج حلولاً مستقرة على المدى الطويل.

اليوم تبدو جمعية هيئات المحامين بالمغرب مصممة على رفع سقف الضغط، فيما تؤكد المؤشرات أن الأزمة لم تبلغ بعد محطتها الأخيرة، خصوصاً أن البلاغات الصادرة تتحدث بوضوح عن إمكانية اللجوء إلى خطوات تصعيدية إضافية إذا استمر الوضع على ما هو عليه.

لكن السؤال الحقيقي الذي يفرض نفسه خلف كل هذه التفاصيل ليس من سيربح هذه الجولة بين وزارة العدل والمحامين، ولا من سيفرض رؤيته على مشروع القانون. السؤال الأعمق هو ما إذا كان المغرب بصدد اختبار جديد لقدرة مؤسساته على إنتاج الإصلاح عبر الحوار أم عبر موازين القوة. فالإصلاح الذي يبدأ بخلاف مهني قد ينتهي إلى درس سياسي ومؤسساتي كبير حول معنى المشاركة والثقة داخل دولة تسعى إلى تحديث منظومتها القضائية، بينما تظل العدالة نفسها في انتظار أن يتفق حراسها على الطريق الذي ينبغي أن تسلكه.