بايتاس يدافع عن أرقام النمو: الاقتصاد يتقدم والسياحة تزدهر.. فأين يلمس المواطن أثر ذلك؟

0
115
صورة: و.م.ع

في كل مرة تعلن فيها مؤسسة رسمية عن رقم جديد للنمو الاقتصادي، تنقسم الآراء سريعاً بين من يرى فيه دليلاً على نجاح السياسات العمومية، ومن يعتبره مجرد رقم لا يعكس ما يعيشه المواطن في تفاصيل حياته اليومية. وبين الموقفين، تضيع أحياناً الأسئلة الأكثر أهمية: كيف نقرأ النمو؟ وهل يكفي أن يرتفع الناتج الداخلي الخام حتى نقول إن الاقتصاد أصبح أقوى؟ أم أن قوة الاقتصاد تقاس أيضاً بقدرته على تحويل الأرقام إلى فرص شغل، وتحسين الدخل، وتقليص الفوارق الاجتماعية؟

هذا الجدل عاد إلى الواجهة بعد دفاع الناطق الرسمي باسم الحكومة مصطفى بايتاس عن الأرقام التي أعلنتها المندوبية السامية للتخطيط، مؤكداً أن مؤشرات النمو «لا تقبل إلا قراءة واحدة»، وأن المؤسسات الوطنية والدولية المستقلة تجمع على وجود تحسن متواصل في أداء الاقتصاد المغربي. واستند المسؤول الحكومي إلى سلسلة من الأرقام التي تظهر انتقال النمو من 1.8 في المائة سنة 2022 إلى 3.7 في المائة سنة 2023، ثم 4.4 في المائة سنة 2024، و4.9 في المائة سنة 2025، مع توقع بلوغ 5.2 في المائة خلال سنة 2026.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس ما إذا كانت الأرقام صحيحة أم لا، فالمندوبية السامية للتخطيط تبقى المرجع الوطني الرسمي في إنتاج المعطيات الاقتصادية، وإنما السؤال يتعلق بما تقوله هذه الأرقام عن طبيعة الاقتصاد المغربي نفسه. فالأرقام لا تكذب، لكنها لا تقول دائماً كل الحقيقة. إنها تقدم صورة كمية عن الحركة الاقتصادية، بينما تبقى مهمة التحليل هي البحث عما يقع خلف تلك الصورة.

عندما نتأمل تفاصيل النمو المعلن، نكتشف أن جزءاً مهماً منه جاء من القطاع الفلاحي الذي سجل قفزة لافتة بلغت 8.2 في المائة سنة 2025، مع توقع ارتفاع الناتجه الداخلي الفلاحي بحوالي 15 في المائة خلال 2026. لا شك أن هذا المعطى إيجابي في بلد ظل لسنوات يعاني من توالي موجات الجفاف وتراجع الموارد المائية. غير أن الاعتماد المستمر على الفلاحة كمحرك أساسي للنمو يطرح إشكالية قديمة جديدة تتعلق بمدى قدرة الاقتصاد المغربي على التحرر من تقلبات المناخ.

فكلما تحسنت التساقطات المطرية ارتفعت نسب النمو، وكلما تراجعت عادت المؤشرات إلى الانخفاض. وهنا يبرز التحدي الحقيقي: هل استطاع المغرب بناء اقتصاد قادر على إنتاج الثروة خارج رهانات السماء؟ أم أننا ما زلنا أمام نموذج اقتصادي يحتفل بالمطر أكثر مما يحتفل بالتصنيع والابتكار والتكنولوجيا؟

وفي الجهة المقابلة، تبدو الصورة أكثر تعقيداً داخل القطاع الصناعي. صحيح أن المغرب حقق خلال السنوات الأخيرة تقدماً في صناعات السيارات والطيران والطاقات المتجددة، وأصبح وجهة استثمارية مهمة في إفريقيا، لكن الأرقام التفصيلية تكشف أن وتيرة نمو بعض الأنشطة الصناعية لم ترتفع بالسرعة التي تسمح بإحداث تحول بنيوي عميق داخل الاقتصاد. فالصناعة ليست مجرد معامل ومناطق صناعية، بل هي القدرة على خلق قيمة مضافة مستدامة، ومناصب شغل مستقرة، وتقليص التبعية للخارج.

ومن هنا يصبح من المشروع التساؤل: هل النمو الذي نتحدث عنه اليوم هو نمو إنتاجي حقيقي يقوده الابتكار والاستثمار الخاص والتصنيع المتقدم؟ أم أنه نمو مدفوع أساساً بالمشاريع الكبرى والاستثمارات العمومية التي تمنح الاقتصاد دفعة مهمة لكنها لا تكفي وحدها لبناء مناعة اقتصادية طويلة الأمد؟

أما القطاع السياحي، الذي استشهد به بايتاس باعتباره أحد أبرز قصص النجاح الحكومية، فيستحق بدوره قراءة أكثر عمقاً. فالوصول إلى حوالي 20 مليون سائح سنة 2025، وتحقيق عائدات تناهز 15 مليار دولار، وارتقاء المغرب إلى مراتب متقدمة عالمياً، كلها مؤشرات تعكس بالفعل نجاحاً في التسويق للوجهة المغربية وتطوير البنيات التحتية والنقل الجوي والعرض السياحي.

غير أن السؤال الذي يطرح نفسه هنا يتعلق بطبيعة هذا النجاح نفسه. هل تحولت السياحة إلى رافعة تنموية قادرة على إعادة توزيع الثروة داخل مختلف الجهات؟ أم أن جزءاً كبيراً من عائداتها ما زال يتركز في أقطاب محددة دون أن ينعكس بالقدر نفسه على العالم القروي والمناطق الهشة؟ ثم ماذا عن جودة فرص الشغل التي تنتجها السياحة؟ وهل هي وظائف مستقرة تضمن الإدماج الاجتماعي أم أنها تظل مرتبطة بالموسمية وتقلبات الطلب الدولي؟

هذه الأسئلة تزداد أهمية في ظل السياق الدولي الحالي، حيث أصبحت الاقتصادات أكثر عرضة للصدمات الخارجية، سواء تعلق الأمر بالأزمات الجيوسياسية أو التغيرات المناخية أو التقلبات الاقتصادية العالمية. فالسياحة قطاع مهم، لكنه يظل من أكثر القطاعات حساسية تجاه المتغيرات الخارجية.

وفي العمق، يبدو أن النقاش الحقيقي لا يتعلق بنسبة 4.9 في المائة أو 5.2 في المائة، بل بطبيعة النمو نفسه. فهناك فرق كبير بين نمو يرفع حجم الاقتصاد الكلي، ونمو يغير فعلاً حياة المواطنين. الفرق بينهما يشبه الفرق بين اتساع الخريطة وتحسن الطريق. قد تكبر الخريطة الاقتصادية للدولة، لكن المواطن لا يشعر بذلك إذا لم تتحسن قدرته الشرائية، ولم تتوسع فرص العمل، ولم تتراجع كلفة المعيشة.

ولهذا السبب لا يمكن اختزال النقاش الاقتصادي في مواجهة بين الحكومة ومنتقديها. فالديمقراطيات الحديثة لا تبنى على التصفيق للأرقام ولا على إنكارها، بل على تحليلها وتفكيكها ومساءلتها. الحكومة من حقها أن تدافع عن حصيلتها، والمعارضة من حقها أن تطرح الأسئلة، لكن الأهم هو أن يبقى المواطن قادراً على فهم ما تعنيه هذه المؤشرات بالنسبة إلى حياته اليومية.

فإذا كانت الحكومة ترى أن النمو المتراكم خلال السنوات الأخيرة دليل على نجاح اختياراتها، فإن التحدي الأكبر يبقى في تحويل هذا النجاح الإحصائي إلى نجاح اجتماعي ملموس. ذلك أن الاقتصاد لا يقاس فقط بحجم الناتج الداخلي الخام، ولا بعدد السياح، ولا بقيمة الصادرات، بل يقاس أيضاً بقدرته على منح الأمل للشباب الباحث عن عمل، والأمان للطبقة المتوسطة، والكرامة للفئات الهشة.

وفي النهاية، قد تكون أرقام النمو بالفعل «لا تقبل إلا قراءة واحدة» من الناحية المحاسباتية، لكن أثرها على المجتمع يقبل قراءات متعددة. فبين لغة الجداول ولغة الحياة اليومية مسافة لا تختصرها النسب المئوية وحدها. والسؤال الذي سيظل مطروحاً، ليس داخل تقارير المندوبية السامية للتخطيط ولا داخل الندوات الصحافية الحكومية، بل في الشارع والسوق ومكان العمل: إذا كان الاقتصاد المغربي ينمو بهذا الإيقاع المتصاعد، فمتى يشعر كل المغاربة بأن هذا النمو أصبح جزءاً من حياتهم اليومية، وليس مجرد رقم جديد يضاف إلى سجل المؤشرات؟