حين تمطر السماء… ويغلي السوق: مفارقة الوفرة والغلاء في المغرب تكشف خلل توزيع الثروة الفلاحية

0
141
صورة: و.م.ع

في مشهدٍ بدا للوهلة الأولى أقرب إلى “هدية سماوية” غير منتظرة، عادت السماء لتفتح خزائنها فوق المغرب، معلنة نهاية دورة جفاف قاسية وبداية موسم فلاحي استثنائي. داخل أروقة المجلس الوزاري الذي ترأسه محمد السادس، قُدمت أرقام تحمل الكثير من التفاؤل: تساقطات مطرية قياسية، مخزون مائي مريح، وآفاق إنتاجية تُوصف بالأفضل منذ سنوات. لكن، خلف هذه الصورة الوردية، يتسلل سؤال أكثر عمقًا: هل تعود هذه “الخيرات الربانية” فعلًا على المواطن المغربي، أم أنها ستتبخر عند أول موجة حر كما حدث في مواسم سابقة؟

المعطيات الرسمية التي عرضها وزير الفلاحة أحمد البواري تشير إلى معدل تساقطات بلغ 520 ملم، بزيادة 54% مقارنة بالمعدل التاريخي، مع نسبة ملء للسدود وصلت إلى 75%. هذه الأرقام لا تعني فقط موسماً فلاحياً جيداً، بل تعني—نظرياً—استقراراً في أسعار الغذاء، وانتعاشاً في العالم القروي، وتحسناً في مؤشرات النمو. غير أن التجربة المغربية تُظهر أن العلاقة بين وفرة الإنتاج وانخفاض الأسعار ليست دائماً خطية.

في الحقول، يبدو المشهد واعداً. الأمطار المتأخرة في مارس وأبريل جاءت في توقيت حاسم لتثبيت الزراعات وضمان نموها، كما يوضح الخبير الفلاحي رياض أوحتيتا. لكن حتى هذا التفاؤل لا يخلو من تشققات: أمراض فطرية تهدد المحاصيل، وسوق داخلية تعاني اختلالات هيكلية أعمق من مجرد وفرة أو ندرة. هنا، يتحول النقاش من الطبيعة إلى السياسة الاقتصادية.

المفارقة الكبرى التي تفرض نفسها كل موسم تقريباً، هي أن وفرة الإنتاج لا تنعكس بالضرورة على جيب المواطن. في أسواق الخضر واللحوم، تستمر الأسعار في مستويات مرتفعة رغم تحسن العرض. السبب، كما يشير عدد من الخبراء، ليس تقنياً بل بنيوياً: شبكة وساطة متضخمة تلتهم هوامش الربح، وتعيد توزيع القيمة بعيداً عن المنتج والمستهلك معاً. النتيجة هي اقتصاد فلاحي يُنتج كثيراً، لكنه يُسعّر بشكل منفصل عن منطق الوفرة.

اقتصادياً، يظل القطاع الفلاحي رافعة أساسية. فحسب تقديرات الخبراء، يساهم بما بين 12% و14% من الناتج الداخلي، ويشغل نحو ثلث اليد العاملة، ويؤثر بشكل مباشر على الطلب الداخلي بحكم ارتباطه بسكان العالم القروي الذين يمثلون ما بين 40% و45% من السكان. هذا ما يفسر التفاؤل الذي عبّر عنه الخبير الاقتصادي خالد حمص: موسم فلاحي جيد يعني، حسابياً، نمواً اقتصادياً أفضل.

لكن هذا “النمو” نفسه يطرح إشكالاً آخر: هل هو نمو إحصائي أم تنموي؟ بمعنى أدق، هل يترجم إلى تحسن فعلي في مستوى عيش المواطن، أم يبقى محصوراً في المؤشرات الكبرى؟ التجارب السابقة تشير إلى أن جزءاً مهماً من الإنتاج الفلاحي يُوجَّه نحو التصدير، حيث تُفضل الأسواق الخارجية لجلب العملة الصعبة وتعزيز موقع المغرب في سلاسل التوريد العالمية. وهنا يتولد الانطباع الشعبي المتكرر: “ننتج كثيراً… لكن نستهلك غالياً”.

في العمق، تكشف هذه الدورة المتكررة—من الجفاف إلى الوفرة ثم إلى الغلاء—عن خلل مزدوج: من جهة، هشاشة نموذج فلاحي لا يزال رهين التقلبات المناخية، ومن جهة أخرى، بنية سوقية غير متوازنة لا تسمح بانتقال عادل لقيمة الإنتاج. ومع أول موجة حر صيفية، قد تتغير المعادلة بسرعة: ارتفاع الطلب على المياه، ضغط على الموارد، وعودة خطاب “الإجهاد المائي” لتبرير استمرار الأسعار المرتفعة.

هكذا، لا تبدو “الخيرات الربانية” وحدها كافية لضمان رفاه المواطن، ما لم تُواكب بإصلاحات عميقة تمس سلاسل التوزيع، وآليات التسعير، وأولويات التصدير. فالمعادلة الحقيقية لم تعد في كمية ما يسقط من السماء، بل في كيفية توزيع ما يخرج من الأرض.

في النهاية، يظل السؤال معلقاً بين السماء والسوق: هل يكون هذا الموسم الاستثنائي بداية تحول حقيقي في علاقة المغاربة بثرواتهم الفلاحية، أم مجرد فصل جديد في قصة قديمة عنوانها الدائم: وفرة في الحقول… وغلاء في الأسواق؟