غانم سايس يكسر حلم قطر: ربع نهائي مونديال 2026 هو الانتصار الحقيقي للمغرب لا نصف النهائي

0
109

في كرة القدم، لا تُقاس قيمة التصريحات فقط بما تقوله، بل أيضاً بما تكشفه عن التحولات العميقة التي يعيشها أصحابها والمنتخبات التي يتحدثون عنها. وعندما يخرج غانم سايس، القائد السابق للمنتخب المغربي وأحد أبرز صناع ملحمة قطر 2022، ليقول إن بلوغ نصف نهائي كأس العالم كان إنجازاً استثنائياً يصعب تكراره، وإن ربع نهائي مونديال 2026 قد يكون السقف الواقعي لطموحات المنتخب المغربي، فإن الأمر لا يتعلق بمجرد توقع رياضي عابر، بل بقراءة صادرة عن لاعب عاش التجربة من داخل غرفة الملابس، وشارك في صناعة أكثر اللحظات إشراقاً في تاريخ الكرة المغربية والعربية والإفريقية.

تصريح سايس أثار نقاشاً واسعاً بين المتفائلين الذين يرون أن المنتخب المغربي بات قادراً على منافسة الكبار بشكل دائم، وبين الواقعيين الذين يعتبرون أن ما تحقق في قطر كان مزيجاً نادراً من الجودة الفنية والانضباط التكتيكي والجاهزية الذهنية والظروف الرياضية المواتية. وبين هذين الموقفين يبرز سؤال جوهري: هل أصبح نصف نهائي كأس العالم معياراً جديداً للحكم على نجاح المنتخب المغربي، أم أن هذا الإنجاز الاستثنائي خلق سقفاً مرتفعاً للغاية للتوقعات الشعبية والإعلامية؟

ما تحقق في قطر سنة 2022 لم يكن مجرد تأهل إلى نصف النهائي، بل كان حدثاً تاريخياً قلب كثيراً من المسلمات في كرة القدم العالمية. لأول مرة يصل منتخب عربي وإفريقي إلى هذا الدور، متجاوزاً مدارس كروية عريقة مثل إسبانيا والبرتغال وبلجيكا. لكن قراءة ذلك الإنجاز ببرودة تحليلية تكشف أنه لم يكن نتيجة موهبة اللاعبين فقط، بل ثمرة تراكمات طويلة من الاستثمار في البنية التحتية والتكوين واستقطاب الكفاءات المغربية المولودة بالخارج، إضافة إلى عمل تقني ونفسي استثنائي قاده الطاقم الفني آنذاك.

غير أن المشكلة التي تواجه المنتخبات التي تحقق إنجازات تاريخية تكمن في أن النجاح يتحول سريعاً إلى عبء. فبعد قطر، لم يعد الجمهور المغربي يقارن منتخبه بمستواه السابق، بل صار يقارنه بأفضل نسخة عرفها تاريخه. وهنا تتجلى المفارقة الكبرى: فالوصول إلى ربع النهائي، الذي كان قبل سنوات قليلة يُعتبر إنجازاً غير مسبوق، قد يُنظر إليه اليوم باعتباره تراجعاً إذا لم يتبعه حضور في المربع الذهبي.

من زاوية أخرى، يبدو أن سايس يحاول إعادة النقاش إلى أرض الواقع. فمونديال 2026 لن يشبه مونديال قطر. صحيح أن المغرب يملك جيلاً موهوباً ويواصل تطوير منظومته الكروية، لكن المنافسة العالمية أصبحت أكثر شراسة. المنتخبات الكبرى التي تعثرت في النسخ الأخيرة تعمل على تجديد دمائها، كما أن التطور العلمي والتكنولوجي في إعداد اللاعبين جعل الفوارق بين المنتخبات تتقلص بشكل كبير. وبالتالي فإن مجرد الحفاظ على مكانة المغرب ضمن نخبة المنتخبات العالمية لم يعد أمراً سهلاً أو مضموناً.

كما أن كرة القدم الحديثة أثبتت أن الإنجازات الكبرى لا تُستنسخ بالضرورة. فمنتخبات عديدة صنعت مفاجآت تاريخية ثم عادت إلى مستويات أقل دون أن يعني ذلك فشلها. كرواتيا نفسها، التي أصبحت نموذجاً في الاستمرارية، احتاجت إلى سنوات طويلة من العمل المؤسسي للحفاظ على حضورها بين الكبار. أما المنتخبات التي بنت نجاحها على لحظة استثنائية دون تحويلها إلى مشروع مستدام، فقد اختفت سريعاً من المشهد العالمي.

وفي الحالة المغربية، تبدو المؤشرات إيجابية على مستوى البنية التحتية ومراكز التكوين والحضور المتزايد للاعبين المغاربة في أقوى الدوريات الأوروبية. لكن التحدي الحقيقي لا يتعلق فقط بإنتاج المواهب، بل بقدرة المنظومة الكروية على الحفاظ على الاستقرار التقني والإداري، وتدبير الضغوط الجماهيرية والإعلامية التي ارتفعت بشكل غير مسبوق بعد ملحمة قطر.

وربما تكمن أهمية تصريح سايس في أنه يحاول تحرير المنتخب من أسر المقارنات المستحيلة. فالتاريخ الرياضي لا يتحرك دائماً في خط تصاعدي مستقيم، بل يعرف محطات صعود وهبوط وتوازنات معقدة. لذلك فإن تقييم نجاح المغرب في مونديال 2026 ينبغي ألا يُختزل في سؤال: هل سيصل إلى نصف النهائي مرة أخرى؟ بل في سؤال أكثر عمقاً: هل أصبح المنتخب المغربي قادراً على التواجد بانتظام بين أفضل ثمانية منتخبات في العالم؟

ذلك هو التحدي الحقيقي الذي يواجه كرة القدم المغربية اليوم. فالمجد ليس في تحقيق المعجزة مرة واحدة، بل في تحويلها إلى ثقافة دائمة. وبين حلم الجماهير بملحمة جديدة وواقعية سايس التي تدعو إلى خفض منسوب التوقعات، يبقى الرهان الأكبر هو ما إذا كان المغرب قد انتقل فعلاً من خانة المنتخب الذي يصنع المفاجآت إلى خانة المنتخب الذي أصبح وجوده بين الكبار أمراً طبيعياً لا يحتاج في كل مرة إلى معجزة جديدة.