التنمية الترابية في المغرب: هل تُعيد الالتقائية هندسة السيادة أم تُعيد المركزية بثوب جديد؟

0
85

في زمنٍ لم تعد فيه التنمية مجرد برامج بل رهانات سيادة، عاد ملف التنمية الترابية إلى واجهة النقاش العمومي، ليس من بوابة إعلان برامج جديدة فحسب، بل من خلال إعادة صياغة فلسفة التدبير الترابي ذاتها. العرض الذي قدّمه وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت أمام حضرة صاحب الجلالة الملك المفدى محمد السادس حفظه الله ورعاه خلال أشغال المجلس الوزاري، لم يكن مجرد تقديم تقني لبرنامج حكومي، بل أقرب إلى إعلان عن تحول عميق في منطق الدولة في تدبير المجال، من نموذج مجزأ قائم على تعدد الفاعلين وتشتت المبادرات، إلى نموذج يراهن على “الالتقائية” كمدخل لإعادة هندسة الفعل العمومي الترابي.

هذا التحول، كما يعكسه العرض، يقوم على فكرة مركزية: نقل نقطة الانطلاق في إعداد السياسات الترابية من المركز إلى المجال، عبر استلهام الحاجيات المعبر عنها محليًا من طرف المواطنين. وهي مقاربة تنسجم، من حيث الخطاب، مع أدبيات “الديمقراطية التشاركية” و”التنمية المندمجة”، كما وردت في تقارير مؤسساتية مرجعية مثل تقرير المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي حول الفوارق المجالية، وتوصيات اللجنة الاستشارية للجهوية التي أرست أسس الجهوية المتقدمة. غير أن الانتقال من الخطاب إلى الممارسة يظل، كما يكشف النقاش الأكاديمي، محفوفًا بتوترات بنيوية بين منطقين: منطق اللامركزية ومنطق إعادة الضبط المركزي.

في القراءة التي يقدمها رشيد لبكر، أستاذ القانون الإداري، تبدو “الالتقائية” بمثابة المفهوم المفتاحي الذي يمكن أن يفكك أعطاب التجارب السابقة، حيث كان كل فاعل ترابي يشتغل داخل جزيرته المؤسساتية. الجديد هنا هو محاولة خلق انسجام أفقي وعمودي بين مختلف المتدخلين، بما في ذلك الدولة المركزية، الجهات، والجماعات الترابية. هذا التصور، إذا تحقق، قد يساهم في تجاوز ما أشار إليه تقرير البنك الدولي حول “التفاوتات المجالية في المغرب”، والذي أبرز استمرار فجوات تنموية بين الجهات رغم تعدد البرامج.

غير أن هذا الطموح يطرح، في عمقه، سؤال السلطة: من يقرر فعليًا؟ وهل الالتقائية تعني تقاسم القرار أم إعادة تركيزه في صيغة جديدة؟ هنا يبرز التحليل النقدي الذي يقدمه حفيظ اليونسي، أستاذ القانون الدستوري، والذي يقرأ في هذا التحول نوعًا من “إعادة التمركز المقنع”، حيث تنتقل وزارة الداخلية من دور المراقب إلى فاعل تدبيري مباشر. هذا التحول، وفق نفس القراءة، يثير إشكالًا دستوريًا يرتبط بمدى احترام مبدأ التدبير الحر المنصوص عليه في دستور 2011، والذي يشكل حجر الزاوية في ورش الجهوية المتقدمة.

وتزداد حدة هذا الإشكال مع الحديث عن تعديل القانون التنظيمي رقم 111.14 المتعلق بالجهات، وهو ما يعيد فتح النقاش حول حدود السلطة التنظيمية للمشرع في مواجهة المبادئ الدستورية. فهل نحن أمام تطوير طبيعي للنصوص لمواكبة التحولات، أم أمام إعادة تأويل قد تمس بجوهر التوازن بين الدولة والجماعات الترابية؟ سؤال يجد صداه في تقارير المحكمة الدستورية التي سبق أن شددت على ضرورة احترام التراتبية القانونية وضمان انسجام القوانين التنظيمية مع روح الدستور.

على المستوى السياسي، يتجاوز النقاش البعد القانوني ليصل إلى جوهر التمثيلية. فإذا كانت البرامج الجديدة تُسند أدوارًا تنفيذية متقدمة للإدارة الترابية، فإن موقع المنتخبين يصبح موضع تساؤل. هل سيظلون فاعلين في بلورة القرار، أم سيتحولون إلى واجهات شكلية داخل منظومة تدبيرية تقودها الإدارة؟ هذا التساؤل يلامس أحد أهم أعمدة الشرعية الديمقراطية: ربط المسؤولية بالمحاسبة. ففي غياب آليات واضحة للمساءلة السياسية، كما تشير بعض القراءات، قد تتحول النجاعة التقنية إلى بديل عن الرقابة الديمقراطية.

أما على المستوى التدبيري، فإن استلهام مناهج القطاع الخاص، كما ورد في العرض، يعكس توجها نحو عقلنة الأداء وتسريع الإنجاز، وهو خيار تدعمه أدبيات حديثة في الحكامة العمومية، من بينها تقارير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية حول “الحكامة متعددة المستويات”. غير أن نجاح هذا الخيار يظل مشروطًا بمدى ملاءمته لخصوصية القطاع العام، الذي لا تحكمه فقط معايير النجاعة، بل أيضًا اعتبارات العدالة المجالية والتوازن الاجتماعي.

الرقم المعلن—210 مليارات درهم على مدى ثماني سنوات—يعكس حجم الرهان، لكنه في الآن ذاته يعيد طرح سؤال الفعالية: هل المشكلة كانت دائمًا في الموارد أم في طرق تدبيرها؟ تقارير المجلس الأعلى للحسابات سبق أن سجلت اختلالات في تنفيذ برامج تنموية سابقة، مرتبطة بضعف التنسيق وتداخل الاختصاصات، وهي نفس الأعطاب التي تعد “الالتقائية” بتجاوزها.

في المحصلة، نحن أمام لحظة مفصلية في مسار الدولة الترابية بالمغرب: مشروع يحمل وعودًا بإعادة ترتيب الفعل العمومي على أسس أكثر انسجامًا وفعالية، لكنه في الآن ذاته يفتح أسئلة عميقة حول التوازن بين المركز والمجال، بين النجاعة والديمقراطية، وبين السلطة والمساءلة. وبين التفاؤل الحذر والتحفظ النقدي، يبقى الاختبار الحقيقي ليس في بلاغات المجالس الوزارية، بل في ورش التنفيذ، حيث تتحول الأفكار إلى سياسات، والسياسات إلى أثر ملموس في حياة المواطنين.