في سياق يتزايد فيه الاهتمام بالنقد السردي بوصفه أداة لفهم تحولات الكتابة الروائية المغربية، يأتي إصدار الباحث سعيد العيماري المعنون سيميائية الفضاء المكاني في الرواية المغربية المعاصرة ليقترح قراءة عميقة في أحد أكثر المكونات السردية تعقيدًا وثراءً: الفضاء المكاني. فالكتاب، الصادر عن منشورات السرديات بالدار البيضاء، لا يكتفي بوصف المكان كخلفية للأحداث، بل يعيد تموضعه كفاعل دلالي يشارك في إنتاج المعنى، ويكشف عن البنيات الخفية التي تتحكم في تشكل الخطاب الروائي.
ينطلق العمل من اختيار نموذجين روائيين دالين: قمر فاس للكاتبة فضيلة التهامي الوزاني، و*تغريبة العبدي المشهور بولد الحمرية* للروائي عبد الرحيم لحبيبي، حيث يعمد الباحث إلى تفكيك اشتغال الفضاء المكاني داخلهما وفق منظور سيميائي يربط بين البنية السردية والأنساق الثقافية والاجتماعية. هذا الاختيار ليس اعتباطيًا، بل يعكس رغبة في التقاط تمثلات متعددة للمكان بين المدينة والهامش، بين الانتماء والاغتراب، بما يسمح بإبراز التوترات التي تعبر الرواية المغربية المعاصرة.
في هذا الأفق، يتعامل الكتاب مع الفضاء المكاني باعتباره بنية سردية قائمة الذات، تتجاوز الوظيفة الوصفية نحو أدوار أكثر تركيبًا، حيث يصبح المكان فضاءً لتشكل الهوية، ومسرحًا لصراع الدلالات. ومن خلال تتبع “مشيرات الانتظام الفضائي”، يكشف الباحث كيف تتقاطع مسارات الشخصيات مع تحولات المكان، وكيف تنتقل خطوط السرد من الهامش إلى المركز، في انعكاس واضح لتحولات اجتماعية وثقافية أعمق تعيشها الذات المغربية.
ولا يقف التحليل عند حدود البنية السردية، بل يمتد إلى مساءلة الأنساق التي ينتظم وفقها الفضاء المكاني، خاصة تلك المرتبطة بثنائيات دالة مثل “هنا/هناك”، التي تختزل توتر الهوية بين المحلي والممتد، بين الذاكرة والراهن. فالمكان، في هذا التصور، ليس مجرد إطار، بل نسق دلالي منتج للمعنى، يتفاعل مع البرنامج السردي والخطاطة العاملية ليعيد تشكيل العلاقات بين الذات والعالم.
أما على مستوى التمثلات، فيكشف الكتاب عن الكيفية التي يُبنى بها “محكي الفضاء المكاني”، من خلال جدلية الاتصال والانفصال، وما تثيره من أسئلة حول وجود الذات داخل المكان أو على هامشه. وهنا، يبرز دور الوصف الطوبوغرافي ليس فقط كأداة للإيهام بالواقعية، بل كوسيط ينقل القارئ بين التخييلي والمرجعي، ويعيد تشكيل إدراكه للفضاء الروائي.
ويبلغ التحليل ذروته في تفكيك “شفرات الفضاء المكاني”، حيث يتبدى المكان كبنية متعددة الطبقات: نفسية، تاريخية، دينية وثقافية. هذه الشفرات لا تشتغل بشكل معزول، بل تتداخل لتنتج دلالات مركبة، تعكس تمثلات الذات ومرجعياتها، وتكشف عن آليات إدراكها للعالم. بذلك، يتحول الفضاء إلى مرآة للذات بقدر ما هو إطار لحركتها، وإلى عنصر بنائي يضبط إيقاع السرد ويمنحه عمقه الجمالي.
بهذا المعنى، لا يقدم كتاب سيميائية الفضاء المكاني في الرواية المغربية المعاصرة مجرد دراسة تطبيقية، بل يفتح أفقًا نقديًا يعيد الاعتبار للمكان كعنصر مركزي في تحليل الخطاب الروائي، ويطرح ضمنيًا سؤالًا أعمق: إلى أي حد يمكن قراءة تحولات المجتمع المغربي من خلال تحولات فضاءاته السردية؟ سؤال يظل مفتوحًا، بقدر ما يختزن من رهانات نقدية وثقافية تتجاوز حدود النص نحو مساءلة الواقع ذاته.