«502 تعديل و8 ساعات من التوتر… كيف تعيد الدولة رسم ميزان القوة داخل المحاماة المغربية بصمت؟»

0
129

في صباحات كثيرة داخل المحاكم المغربية، لا يبدأ التوتر من القاضي ولا من المتقاضي، بل من الهمس الذي يدور في ممرات “البدلة السوداء”. محامون يتحدثون عن مهنة لم تعد كما كانت، وقضاة سابقون ينتظرون أبوابًا جديدة للعودة إلى قلب العدالة، وطلبة قانون يراقبون حلم المحاماة وهو يتحول شيئًا فشيئًا من “مهنة النخبة القانونية” إلى حقل صراع سياسي ومؤسساتي مفتوح. لذلك، لم يكن النقاش حول مشروع قانون المحاماة الجديد مجرد نقاش تقني حول مواد قانونية، بل كان مواجهة مكتملة حول سؤال أكبر: من يملك سلطة تشكيل العدالة في المغرب؟

ثماني ساعات من النقاش المتوتر داخل لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان والحريات بمجلس النواب، وأكثر من 502 تعديل، لم تكن مجرد أرقام عابرة في مسار تشريعي عادي، بل كانت تعبيرًا عن حجم الانفجار الكامن داخل واحدة من أكثر المهن حساسية في الدولة. فحين يمر مشروع القانون رقم 66.23 بأغلبية 16 نائبًا مقابل معارضة 7، وسط غضب متصاعد من هيئات المحامين، فإن الأمر يكشف أن الأزمة تجاوزت حدود النصوص لتصل إلى طبيعة العلاقة نفسها بين السلطة التنفيذية والجسم المهني الذي ظل تاريخيًا يعتبر نفسه “خط الدفاع الأخير” عن استقلال العدالة.

منذ أواخر سنة 2025، حين أعلن وزير العدل عبد اللطيف وهبي التوصل إلى توافق مع جمعية هيئات المحامين بالمغرب، بدا وكأن الدولة تتجه نحو تهدئة واحدة من أخطر أزمات منظومة العدالة. لكن الصيغة الأولى للمشروع تحولت سريعًا إلى ما يشبه الشرارة التي أعادت فتح الأسئلة القديمة حول حدود تدخل السلطة التنفيذية في تنظيم المهن الحرة. فالمحامون رأوا في بعض المقتضيات محاولة لإعادة رسم ميزان القوة داخل المهنة، بينما اعتبرت الوزارة أن ما يجري ليس سوى تحديث ضروري لمنظومة ظلت لعقود محكومة بمنطق تقليدي لم يعد قادرًا على مواكبة التحولات القانونية والاقتصادية الجديدة.

المفارقة أن جوهر الصراع لا يتعلق فقط بالمحامين، بل يعكس تحولات أعمق يعيشها المغرب في علاقته بالمؤسسات الوسيطة. فالدولة، خلال السنوات الأخيرة، تتجه أكثر نحو إعادة ضبط قطاعات ظلت تشتغل بمنطق الاستقلال الذاتي النسبي، سواء تعلق الأمر بالمهن القضائية أو الهيئات المنتخبة أو حتى بعض المؤسسات الاقتصادية. لذلك، فإن غضب النقباء من المادة 123، التي أعادت هيكلة تمثيلية النقباء داخل المجالس المهنية، لم يكن مجرد اعتراض على تقنية انتخابية، بل خوفًا من فقدان “الرمزية التاريخية” التي راكمتها النخبة التقليدية للمحامين داخل توازنات المهنة.

وفي العمق، تكشف التعديلات الجديدة عن تحول واضح في فلسفة الولوج إلى المحاماة. فاشتراط سن يتراوح بين 21 و40 سنة، وفرض شهادة الماستر، وإحداث معهد خاص لتكوين المحامين، كلها مؤشرات على انتقال الدولة نحو نموذج أكثر انتقائية ومأسسة. ظاهريًا، يبدو الأمر مرتبطًا بتحسين جودة التكوين، لكن اجتماعيًا يفتح الباب أمام أسئلة مقلقة حول تكافؤ الفرص. فهل تتحول المحاماة تدريجيًا إلى مهنة مغلقة أمام أبناء الطبقات المتوسطة والفقيرة؟ وهل يصبح المسار المهني الجديد أكثر تكلفة وتعقيدًا في بلد يعاني أصلًا من بطالة مرتفعة وسط خريجي القانون؟

الجدل حول تقليص مدة منع القضاة ورجال السلطة من ممارسة المحاماة من خمس سنوات إلى ثلاث، كشف بدوره عن أحد أكثر الملفات حساسية داخل العدالة المغربية. فالمعارضون يرون أن هذا التقليص قد يفتح الباب أمام تضارب المصالح واستثمار النفوذ والعلاقات داخل المحاكم، بينما تعتبر الوزارة أن الأمر يدخل ضمن منطق الاستفادة من الكفاءات والخبرات القانونية. غير أن النقاش الحقيقي هنا يتجاوز السنوات الثلاث أو الخمس، ليصل إلى سؤال الثقة العامة في العدالة نفسها: هل يشعر المواطن فعلًا أن الحدود بين السلطة والمحاماة والقضاء واضحة بما يكفي؟

وفي زاوية أخرى من الأزمة، ظهر صراع جديد لم يكن مطروحًا بهذا الشكل سابقًا: صراع المحامين مع أساتذة الجامعات. فحين خرج أساتذة القانون للاحتجاج أمام البرلمان دفاعًا عن حقهم في ولوج المهنة، بدا المشهد وكأن المغرب يعيش إعادة توزيع شاملة للشرعية القانونية بين الجامعة والمحكمة. التعديل الذي منح بعض أساتذة التعليم العالي إعفاءات واسعة من شهادة الكفاءة وفترة التمرين لم يكن مجرد امتياز أكاديمي، بل إشارة إلى رغبة الدولة في ضخ نخب قانونية جديدة داخل المهنة، وهو ما فُهم داخل بعض هيئات الدفاع باعتباره تهديدًا للتوازن التقليدي الذي حكم المحاماة لعقود.

لكن ربما أخطر ما يكشفه هذا المشروع ليس فقط الصراع بين الوزارة والمحامين، بل التحول العميق الذي تعرفه صورة المحامي نفسه داخل المجتمع. فالمادة 33، التي وسعت اختصاصات المحامين لتشمل العمل كوكلاء للمهن الرياضية والفنية والتحكيم والوساطة، تعكس انتقال المحاماة من “مهنة التقاضي” إلى “مهنة السوق القانونية الشاملة”. هنا لم تعد المحاماة مرتبطة فقط بالمرافعة داخل المحكمة، بل أصبحت جزءًا من الاقتصاد الجديد للخدمات القانونية والمالية والرياضية والفنية. وهو تحول قد يفتح فرصًا اقتصادية كبيرة، لكنه في الوقت نفسه يطرح سؤالًا فلسفيًا حساسًا: هل تتحول المحاماة من رسالة دفاع عن الحقوق إلى صناعة خدمات قانونية تخضع بالكامل لمنطق السوق؟

وسط كل هذا، تبدو المحاكم المغربية وكأنها تعيش هدنة مؤقتة أكثر من كونها نهاية للأزمة. فجمعية هيئات المحامين لا تخفي غضبها، والحديث عن خطوات احتجاجية جديدة عاد بقوة مباشرة بعد تمرير المشروع. أما وزارة العدل، فتعتبر أن ما يجري هو جزء من “ورش تحديث العدالة” الذي لا يمكن التراجع عنه تحت ضغط الإضرابات والاحتجاجات.

لكن خلف كل هذه المواد القانونية والتعديلات التقنية، يبقى السؤال الأعمق معلقًا فوق المشهد كله: حين تدخل الدولة لإعادة تشكيل مهنة كانت دائمًا تعتبر نفسها مستقلة عن السلطة، هل نحن أمام إصلاح حقيقي لمنظومة العدالة، أم أمام إعادة هندسة هادئة لموازين القوة داخل واحدة من آخر القلاع المهنية التي ظلت تحتفظ بمسافة بينها وبين الدولة؟