من إيبولا إلى “الخوف العالمي”… هل تحوّلت الأوبئة إلى السلاح الجديد لإخضاع البشرية؟

0
101

في المقاهي، في الحافلات، وحتى داخل البيوت، صار الناس يتابعون أخبار الفيروسات كما كانوا يتابعون نشرات الطقس. كل أسبوع يظهر اسم جديد: إيبولا، ماربورغ، كورونا، إنفلونزا الطيور… ومع كل إعلان صحي عالمي، يعود السؤال ذاته يتسلل إلى العقول: هل نحن أمام حماية للبشرية أم أمام عالم يعيش على الخوف الدائم؟ وهل تحولت الأوبئة إلى “لغة حكم” جديدة تستطيع عبرها المؤسسات الكبرى إعادة تشكيل حياة الناس وحدود حركتهم واقتصادهم؟

هذا السؤال عاد بقوة بعد إعلان منظمة الصحة العالمية أن تفشي فيروس “إيبولا” في جمهورية الكونغو الديمقراطية وأوغندا يمثل خطرًا إقليميًا مرتفعًا، لكنه لا يرقى إلى مستوى “الجائحة العالمية”. المنظمة تحدثت عن مئات الحالات المشتبه بها وعشرات الوفيات، مع الاعتراف بأن الفيروس انتشر لأسابيع قبل اكتشافه، وسط ضعف البنية الصحية، ونقص المعدات، وغياب لقاح فعال للسلالة الجديدة “بونديبوغيو”.

لكن خلف البيانات الطبية الباردة، يتحرك نقاش عالمي أكثر تعقيدًا. فبعد تجربة كورونا، لم تعد المجتمعات تستقبل الأخبار الصحية بعفوية. ملايين البشر أصبحوا يشككون في كل إعلان، وكل حالة طوارئ، وكل توصية بالإغلاق أو المراقبة أو التلقيح. ليس لأن الناس ينكرون وجود الأمراض، بل لأن الذاكرة الجماعية ما تزال مثقلة بما حدث خلال سنوات الوباء: إغلاقات شاملة، خسائر اقتصادية، رقابة رقمية، انهيار أعمال صغيرة، وصعود غير مسبوق لشركات التكنولوجيا والأدوية.

في كواليس الويب، تنتشر اليوم عشرات الروايات التي تربط بين الأوبئة وبين “إدارة العالم بالخوف”. بعض المنتديات ومنصات النقاش تصوّر الأمر وكأنه “مؤامرة كبرى” لإخضاع البشرية، بينما يرى آخرون أن ما يحدث ليس مؤامرة سرية بقدر ما هو تداخل مصالح بين الحكومات، وشركات الأدوية، والمؤسسات المالية، ومنظومات الأمن الصحي العالمي. غير أن أغلب هذه الروايات تفتقر إلى أدلة موثقة، وتختلط فيها الحقائق بالقلق الشعبي، والخوف المشروع بالمبالغة الرقمية.

الوثائق والتقارير الرسمية لا تتحدث عن “خطة لإغلاق العالم”، لكنها تكشف شيئًا آخر لا يقل خطورة: العالم صار هشًا أمام أي تهديد صحي. منظمة الصحة العالمية نفسها أقرت بأن انتشار إيبولا الحالي تفاقم بسبب ضعف أنظمة الرصد الصحي، والحروب، والهجرة، ونقص التمويل، والتأخر في اكتشاف الإصابات. وهنا يظهر الوجه الآخر للأزمة: المشكلة ليست فقط في الفيروس، بل في عالم غير متوازن صحيًا واقتصاديًا، حيث تتحول الدول الفقيرة إلى مختبر مفتوح للأزمات.

اللافت أن الخوف العالمي من الأوبئة لم يعد صحيًا فقط، بل صار اقتصاديًا وسياسيًا أيضًا. فكل خبر عن فيروس جديد يهز الأسواق، ويؤثر على السياحة، والنقل، والاستثمار، وحتى على العلاقات بين الدول. خلال ساعات من إعلان أي طارئ صحي، تبدأ المطارات في التشديد، وتتحرك الحكومات لإعداد خطط الطوارئ، بينما تراقب شركات الأدوية البورصات أكثر مما تراقب المختبرات أحيانًا. هذه الحقيقة هي التي غذّت شعورًا واسعًا لدى الشعوب بأن الصحة العالمية لم تعد منفصلة عن الاقتصاد والسياسة والنفوذ.

وفي النقاشات الشعبية على الإنترنت، يظهر غضب واضح من فكرة أن الإنسان أصبح يعيش تحت تهديد دائم: “فيروس جديد”، “تحور جديد”، “إغلاق محتمل”، “حالة طوارئ”. البعض يرى أن العالم بعد كورونا دخل عصر “الخوف المستدام”، حيث صار المواطن العادي يشعر أن حياته يمكن أن تتوقف بقرار صحي دولي في أي لحظة. غير أن هذا القلق الشعبي، رغم مشروعيته النفسية، لا يعني تلقائيًا وجود مؤامرة عالمية منظمة، بل يعكس أزمة ثقة عميقة بين الشعوب والمؤسسات الكبرى.

الخبراء في الصحة العامة يحذرون بدورهم من خطورة الانزلاق نحو نظريات المؤامرة المطلقة، لأن ذلك قد يدفع الناس إلى رفض الإجراءات الوقائية أو فقدان الثقة في أي تحذير حقيقي مستقبلاً. وفي المقابل، هناك أيضًا من ينتقد المؤسسات الصحية الدولية بسبب ضعف الشفافية أحيانًا، أو تضارب المصالح، أو هيمنة الدول الكبرى على القرار الصحي العالمي. وبين هذين الطرفين، يقف الإنسان العادي حائرًا: هل يخاف من الفيروس… أم من الطريقة التي يُدار بها الخوف من الفيروس؟

المفارقة أن إيبولا نفسه، رغم خطورته، ما يزال بحسب منظمة الصحة العالمية خطرًا منخفضًا عالميًا، لأن طريقة انتقاله تختلف عن فيروسات سريعة الانتشار مثل كورونا. لكن مجرد عودة اسم “إيبولا” إلى العناوين الكبرى كان كافيًا لإحياء ذاكرة الرعب الجماعي، وكأن البشرية لم تخرج بعد من ظل الجائحة السابقة.

وربما السؤال الأعمق الذي يتركه هذا المشهد ليس: “هل توجد مؤامرة على البشرية؟”، بل: لماذا أصبح العالم مستعدًا لتصديق ذلك بسهولة؟ هل لأن الناس فقدوا الثقة في المؤسسات؟ أم لأن النظام العالمي نفسه صار ينتج الخوف أسرع مما ينتج الطمأنينة؟ في زمن الأوبئة، لم يعد الفيروس وحده ينتشر… بل أيضًا الشك، والقلق، والشعور بأن الإنسان المعاصر يعيش داخل عالم لا يفهمه بالكامل.