هناك جملة تتكرر كثيراً في المغرب كلما اشتكى الناس من انهيار المستشفى العمومي: “الطبيب كيهرب”. لكن أحداً لا يسأل بجدية: من الذي يدفعه إلى الهروب؟ وهل نحن أمام “هروب أفراد” أم أمام سياسة عمومية تُعيد رسم وظيفة المستشفى العمومي نفسه؟ لأن ما يجري اليوم داخل قطاع الصحة لم يعد مجرد أزمة خصاص في الأطباء أو اكتظاظ في المستشفيات، بل تحول تدريجياً إلى نقاش أعمق: هل ما يزال المستشفى العمومي مؤسسة للعلاج، أم أصبح مجرد محطة عبور مؤقتة نحو القطاع الخاص أو الهجرة؟
الجدل الذي فجّره قرار تقليص مدة إلزام الأطباء الاختصاصيين بالعمل في القطاع العام من ثماني سنوات إلى ثلاث سنوات فقط، ابتداءً من سنة 2032، لم يأتِ من فراغ. فالقرار الذي قدمته الحكومة باعتباره جزءاً من “إصلاح شامل للمنظومة الصحية” اعتبره كثيرون انتصاراً للأطباء الشباب بعد سنوات من الاحتجاجات والاحتقان داخل كليات الطب، بينما رآه آخرون إعلاناً غير مباشر عن بداية نهاية فكرة “الاستقرار الطبي” داخل المستشفى العمومي.
الحكومة تتحدث بلغة الأرقام والتحفيز. تقول إن الإصلاح الجديد سيسرّع التخصص الطبي، ويرفع عدد الخريجين، ويمنح الأطباء مرونة أكبر، كما تراهن على إدماج آلاف الأطباء الاختصاصيين الإضافيين داخل القطاع العام بحلول 2032. وتؤكد أن المقاربة الجديدة تقوم على “التحفيز بدل الإكراه”. لكن خلف هذه اللغة التقنية، يظهر سؤال اجتماعي أكثر قسوة: ماذا سيبقى للمواطن الفقير عندما يصبح الطبيب، بعد ثلاث سنوات فقط، حراً في مغادرة القطاع العمومي نحو المصحات الخاصة أو نحو الخارج؟
المفارقة أن الدولة نفسها تعترف، منذ سنوات، بأن المغرب يعيش خصاصاً حاداً في الموارد البشرية الصحية، خصوصاً في المناطق القروية والجهات البعيدة عن المركز. تقارير متعددة ودراسات حول كفاءة الشبكة الاستشفائية العمومية تتحدث عن ضعف النجاعة ونقص الأطر الطبية واختلال توزيعها بين الجهات. ومع ذلك، يأتي هذا القرار في لحظة يُفترض فيها أن الدولة تحتاج إلى تثبيت الأطباء داخل القطاع العمومي، لا تسهيل مغادرتهم له.
هنا يبدأ التحليل الحقيقي بعيداً عن الشعارات. لأن القضية ليست فقط “كم سنة سيشتغل الطبيب؟”، بل ما هي طبيعة العلاقة الجديدة التي تريد الدولة بناءها مع الطبيب ومع المستشفى العمومي ومع المواطن نفسه. ففي النموذج التقليدي، كان القطاع العمومي يُنظر إليه باعتباره فضاء للخدمة العمومية والاستقرار المهني والتكوين الطويل المرتبط بالتزام أخلاقي تجاه المجتمع. أما اليوم، فيبدو أن الدولة تتجه نحو نموذج مختلف: مستشفى عمومي يؤدي وظيفة “التكوين والتدريب واكتساب الخبرة”، قبل انتقال الطبيب إلى السوق الصحية الخاصة الأكثر ربحاً.
ولعل أخطر ما في النقاش ليس ما قيل صراحة، بل ما تسرب بين السطور. عندما قال وزير التعليم العالي إن “المرور بالمرفق العام ضروري لاكتساب التخصص وإعطاء مصداقية للتكوين”، شعر كثيرون أن المستشفى العمومي يتم تعريفه بشكل جديد: فضاء لإنتاج الكفاءات أكثر منه فضاءً دائماً لخدمة الفئات الفقيرة. وهنا يبدأ الإحساس الجماعي بالخوف، لأن المواطن البسيط يفهم المعادلة بطريقته الخاصة: “الفقير سيظل حقل تجارب، بينما العلاج الحقيقي والجودة الحقيقية ستنتقل أكثر فأكثر نحو المصحات الخاصة”.
هذا التخوف لا يمكن عزله عن التحولات الاقتصادية الكبرى التي يعرفها قطاع الصحة في المغرب. فخلال السنوات الأخيرة، تسارعت الاستثمارات في المصحات الخاصة والمجموعات الصحية الكبرى، بالتوازي مع ورش الحماية الاجتماعية والتغطية الصحية الإجبارية. القطاع الصحي أصبح سوقاً اقتصادياً ضخماً، وليس مجرد خدمة اجتماعية. وبالتالي، فإن أي إصلاح في تكوين الأطباء أو شروط عملهم لا يُقرأ فقط من زاوية “تحسين ظروف الأطباء”، بل أيضاً من زاوية إعادة توزيع الموارد البشرية بين القطاعين العام والخاص.
النقابات الطبية وطلبة الطب كانوا لسنوات يعتبرون أن إلزامية ثماني سنوات “عقوبة مقنّعة”، خصوصاً في ظل ظروف العمل الصعبة، وضعف التجهيزات، والضغط النفسي، وغياب التحفيز الحقيقي داخل عدد كبير من المستشفيات العمومية. وبعضهم يرى أن الطبيب ليس جندياً حتى يُفرض عليه البقاء لسنوات طويلة في قطاع لا يوفر شروط الكرامة المهنية. في المقابل، يرى منتقدو القرار أن الدولة بدل أن تُصلح ظروف العمل داخل المستشفى العمومي، اختارت الحل الأسهل: تقليص مدة الالتزام وترك السوق يبتلع ما تبقى من الكفاءات.
وسط هذا الصراع، يضيع سؤال أساسي: ماذا عن المواطن؟ لأن النقاش العمومي في كثير من الأحيان يتحول إلى مواجهة بين الدولة والأطباء، بينما الحلقة الأضعف تبقى هي المريض البسيط الذي ينتظر ساعات طويلة في المستعجلات، أو يسافر مئات الكيلومترات من أجل طبيب اختصاصي، أو يجد نفسه عاجزاً عن دفع تكاليف العلاج في المصحات الخاصة.
المشكلة الحقيقية ليست في أن الطبيب يريد مستقبلاً أفضل، فهذا حق مشروع، ولا في أن الدولة تريد إصلاح المنظومة الصحية، فهذا واجبها. المشكلة أن المغرب يبدو وكأنه ينتقل بهدوء من فكرة “الصحة كحق اجتماعي” إلى فكرة “الصحة كسوق”. وعندما يتحول العلاج إلى سوق، يصبح الفقير دائماً آخر من يستفيد.
لهذا فالقضية أعمق بكثير من مجرد تقليص مدة الالتزام من ثماني سنوات إلى ثلاث. نحن أمام لحظة تكشف تحوّلاً فلسفياً في علاقة الدولة بالمرفق العمومي نفسه. هل ما تزال الدولة تؤمن بأن المستشفى العمومي يجب أن يكون عمود العدالة الاجتماعية؟ أم أنه يتحول تدريجياً إلى مؤسسة انتقالية تُكوّن الكفاءات قبل أن تسلمها لمن يدفع أكثر؟
في النهاية، قد ينجح هذا الإصلاح في تهدئة غضب الأطباء، وقد يرفع أعداد الخريجين، وقد يخلق دينامية جديدة داخل القطاع الصحي. لكن السؤال الذي سيبقى معلقاً فوق كل هذه الأرقام هو: عندما يصبح أفضل الأطباء أحراراً في المغادرة بعد ثلاث سنوات فقط، من سيبقى إلى جانب المرضى الذين لا يملكون ثمن المصحات الخاصة؟