36 مليون مسافر ومليارات تعبر السماء… لكن هل يعيش المواطن المغربي فعلاً ثمار “المغرب المطاري” أم يكتفي بمشاهدة الإقلاع من خلف الزجاج؟

0
108
صورة: و.م.ع

في بلدٍ كان السفر فيه، لسنوات طويلة، امتيازاً محدوداً أو حلماً مؤجلاً بالنسبة لشرائح واسعة من المواطنين، لم يعد مشهد المطارات المغربية اليوم مجرد فضاءات لعبور الطائرات، بل تحوّل إلى مرآة تعكس تحولات أعمق يعيشها المغرب: اقتصاد يتحرك بسرعة، سياحة تتوسع، مغاربة العالم يعودون بأعداد متزايدة، واستثمارات ضخمة تُضخ في البنية التحتية استعداداً لمرحلة يعتبرها كثيرون مفصلية في تاريخ المملكة. لكن خلف الأرقام اللامعة التي أعلنها وزير النقل واللوجستيك عبد الصمد قيوح، يبرز سؤال أكثر حساسية: ماذا يعني أن تعبر المطارات المغربية حاجز 36 مليون مسافر في سنة واحدة بالنسبة للمواطن العادي الذي يراقب هذه الطفرة من خارج صالات السفر؟

الرقم يبدو ضخماً في ظاهره. أكثر من 36,3 مليون مسافر عبروا المطارات المغربية سنة 2025، مع ارتفاع بنسبة 11 في المائة مقارنة بالسنة الماضية. حركة الطائرات ارتفعت بدورها إلى حوالي 265 ألف رحلة، بينما اقترب الشحن الجوي من 100 ألف طن، في مؤشر على تسارع غير مسبوق في حركة النقل الجوي داخل المملكة وحولها. غير أن قراءة هذه الأرقام بمنطق البيانات فقط تُفقدها معناها الحقيقي. فالمطارات ليست مجرد بنايات إسمنتية ومدارج للطائرات، بل هي عقد اقتصادية واجتماعية وسياسية تختصر صورة الدولة عن نفسها وطموحها داخل الإقليم والقارة.

خلال العقد الأخير، راهن المغرب بشكل واضح على تحويل نفسه إلى منصة جوية ولوجستية تربط إفريقيا بأوروبا والخليج والأمريكيتين. هذا الرهان لم يكن معزولاً عن خيارات أوسع ترتبط بالسياحة والاستثمار والصادرات والتموقع الجيوسياسي. فالبلد الذي يستعد لتنظيم تظاهرات دولية كبرى، ويطمح إلى تعزيز حضوره الإفريقي، يدرك أن المطارات لم تعد مجرد مرفق خدماتي، بل جزء من معركة النفوذ الاقتصادي والرمزي. لذلك، فإن الحديث عن استراتيجية “مطارات 2030” لا يتعلق فقط بتوسعة المطارات أو تحديث قاعات الانتظار، بل ببناء صورة دولة تريد أن تظهر كقوة إقليمية حديثة قادرة على استيعاب التحولات القادمة.

لكن بينما تُسجّل المليارات في رقم المعاملات والأرباح، يطرح الواقع اليومي للمواطن أسئلة أخرى أكثر التصاقاً بالحياة اليومية. فالمسافر المغربي، رغم هذا التطور، ما يزال يشتكي في كثير من الأحيان من ارتفاع أسعار التذاكر، والضغط داخل بعض المطارات، وطول الانتظار، والتفاوت الكبير بين البنية التحتية المتطورة والخدمات التي يتلقاها فعلياً. هنا تبدأ المفارقة: كيف يمكن لقطاع يحقق نتيجة صافية تناهز 1,3 مليار درهم أن يبقى عاجزاً، أحياناً، عن تحويل تجربة السفر إلى تجربة إنسانية سلسة يشعر فيها المواطن بأن هذا التطور ينعكس عليه مباشرة؟

الأمر لا يتعلق فقط بالراحة أو التنظيم، بل بالعدالة المجالية أيضاً. فالنمو السريع لحركة النقل الجوي يكشف، في العمق، استمرار تمركز الدينامية الاقتصادية حول محاور محددة مثل Casablanca وMarrakesh وTangier، بينما ما تزال مدن ومناطق أخرى تعاني ضعف الربط الجوي أو محدودية الاستثمارات. وهذا يعني أن الطفرة الجوية، رغم أهميتها، قد تعيد إنتاج الفوارق نفسها إذا لم تُربط برؤية تنموية متوازنة تشمل مختلف الجهات.

اقتصادياً، تبدو الأرقام مغرية للغاية. فكل ارتفاع في حركة النقل الجوي يعني بالضرورة ارتفاعاً في التدفقات السياحية، وانتعاشاً للفنادق والمطاعم والنقل والخدمات والتجارة. كما أن النقل الجوي أصبح جزءاً حاسماً من سلاسل التوريد العالمية، خصوصاً في القطاعات الصناعية التي يراهن عليها المغرب مثل صناعة السيارات والطيران. لكن هذه الدينامية تكشف أيضاً حجم التحول الذي يعيشه الاقتصاد المغربي نفسه: انتقال تدريجي من اقتصاد يعتمد على القطاعات التقليدية إلى اقتصاد أكثر ارتباطاً بالخدمات والتدفقات الدولية واللوجستيك العالمي.

غير أن الوجه الآخر لهذه الطفرة يفتح نقاشاً أكثر تعقيداً حول طبيعة النمو نفسه. فمن يستفيد فعلاً من هذا التوسع؟ وهل تتحول هذه الأرباح والاستثمارات إلى فرص شغل مستقرة وتحسين ملموس في الخدمات العمومية، أم أنها تبقى محصورة داخل دوائر اقتصادية محددة؟ ثم ماذا عن الكلفة الاجتماعية والبيئية لهذا التوسع المتسارع في النقل الجوي، في زمن أصبحت فيه قضايا المناخ والطاقة جزءاً أساسياً من النقاش العالمي؟

في خلفية هذا كله، يظهر التحول المؤسساتي للمكتب الوطني للمطارات كإشارة سياسية واقتصادية لا تقل أهمية عن الأرقام نفسها. فالاتجاه نحو تحويل المكتب إلى شركة مساهمة لا يتعلق فقط بالحكامة أو التدبير، بل يعكس توجهاً أوسع داخل الدولة نحو إعادة صياغة علاقة المؤسسات العمومية بالمال والاستثمار والربحية. هنا يبرز النقاش الحساس: إلى أي حد يمكن التوفيق بين منطق المرفق العمومي ومنطق المقاولة؟ وهل ستظل المطارات فضاءً لخدمة التنمية الوطنية، أم أنها ستتحول تدريجياً إلى قطاع تُحدد أولوياته لغة الأرباح والتنافسية وحدها؟

وسط كل هذه التحولات، يبدو الرقم “36 مليون مسافر” أكبر من مجرد إنجاز تقني أو اقتصادي. إنه رقم يكشف مغرباً يتحرك بسرعة نحو المستقبل، لكنه يطرح في الوقت نفسه أسئلة مؤجلة حول معنى التنمية نفسها. فالدول لا تُقاس فقط بعدد المسافرين الذين يعبرون مطاراتها، بل أيضاً بعدد المواطنين الذين يشعرون بأن هذا النمو يغيّر حياتهم فعلاً، ويمنحهم إحساساً بأنهم جزء من الرحلة، لا مجرد متفرجين عليها من خلف الحواجز الزجاجية لصالات المغادرة.