في بلدٍ يُعلن أنه يخطو بثبات نحو تعميم الحماية الاجتماعية، تقف الأرقام أحياناً كمرآةٍ قاسية تُعيد ترتيب الصورة بعيداً عن الخطاب الرسمي. فبينما تتحدث الحكومة عن توسع غير مسبوق في التغطية الصحية، يصل — وفق تصريحات رسمية متداولة في السنوات الأخيرة — عدد المستفيدين من نظام التأمين الصحي الإجباري إلى حوالي 22 مليون مواطن، تكشف دراسات موازية أن جزءاً واسعاً من الجسم الاقتصادي والاجتماعي لا يزال خارج أي إطار حماية أو تنظيم، وكأن بلدين يعيشان داخل البلد نفسه: أحدهما مُؤمَّن ومُهيكل، والآخر يشتغل في الظلّ، خارج الشبكات القانونية والضريبية والاجتماعية.
في هذا التناقض تحديداً تتكشف ملامح أزمة أعمق من مجرد أرقام. تقرير حديث صادر عن مركز سنابل للدراسات والسياسات العمومية يرسم صورة ثقيلة لاقتصاد يزداد اتساعاً خارج القنوات الرسمية، حيث تشير المعطيات إلى أن حوالي 77 في المائة من الساكنة النشيطة ما تزال خارج أنظمة الحماية الاجتماعية المساهمة، في وقت بات فيه الاقتصاد غير المهيكل يشكل ما يقارب 32,5 في المائة من الناتج الداخلي الخام. أرقام لا تقف عند حدود الإحصاء، بل تفتح سؤال النموذج الاقتصادي نفسه: كيف يمكن لاقتصاد أن يطمح إلى الاندماج في سلاسل القيمة العالمية بينما ثلثه تقريباً يعمل خارج المنظومة الرسمية؟
ما تكشفه هذه المعطيات أن الاقتصاد غير المهيكل لم يعد مجرد هامش اجتماعي مرتبط بالبطالة أو الفقر العابر، بل تحول تدريجياً إلى بنية موازية قائمة بذاتها. أكثر من مليوني وحدة إنتاج تشتغل خارج الإطار القانوني، وفق تطور تصاعدي منذ 2007، حين كان العدد في حدود 1,55 مليون وحدة، ليتجاوز اليوم مليوني وحدة نشطة. هذا التحول لا يعكس فقط توسعاً كمياً، بل يعكس أيضاً تغيراً نوعياً في طبيعة الاقتصاد الوطني، حيث أصبحت أنشطة واسعة من التجارة والخدمات والحرف تعيش وتتكيف داخل اقتصاد لا يمر عبر الدولة إلا بشكل جزئي أو رمزي.
داخل المدن الكبرى تحديداً، تتكثف هذه الظاهرة بشكل لافت. فالحضر يستحوذ على حوالي 77 في المائة من وحدات الاقتصاد غير المهيكل، مقابل 23 في المائة فقط في العالم القروي. وهذا معطى يحمل دلالة واضحة: الأزمة لم تعد مرتبطة فقط بالمجال القروي أو البوادي المهمشة، بل أصبحت جزءاً من نبض المدن نفسها، حيث تتجاور الأسواق المنظمة مع فضاءات إنتاج غير مرئية لكنها فعّالة ومؤثرة في الأسعار والحركية الاقتصادية اليومية.
وتتوزع هذه الكتلة الاقتصادية غير الرسمية بشكل غير متوازن جغرافياً، إذ تتصدر جهة الدار البيضاء–سطات بنسبة تقارب 23 في المائة، تليها الرباط–سلا–القنيطرة بـ14 في المائة، ثم مراكش–آسفي بـ13 في المائة. وهي نفس الجهات التي تمثل القلب النابض للاقتصاد الرسمي، ما يعكس مفارقة لافتة: كلما زادت الكثافة الاقتصادية الرسمية، زاد أيضاً تمدد الاقتصاد غير المهيكل في الظل الموازي لها.
لكن البنية الأعمق لهذه الظاهرة تظهر في طبيعة التشغيل نفسها. أكثر من 85 في المائة من هذه الوحدات تشتغل بدون أجراء، في شكل أنشطة فردية صغيرة، بالكاد تؤمّن الحد الأدنى من الدخل. كما أن أكثر من ربع العاملين يشتغلون داخل منازل الزبائن، بينما يعتمد آخرون على وسائل متنقلة في الشوارع والأسواق. إنها اقتصاديات الحركة اليومية، لا تعرف الاستقرار المؤسسي ولا الاستمرارية القانونية، لكنها في المقابل تشكل شرياناً حياً لاقتصاد اجتماعي واسع.
الأكثر دلالة أن 91 في المائة من العاملين في هذا القطاع هم من الرجال، مقابل 9 في المائة فقط من النساء، ما يكشف عن فجوة إضافية في الولوج إلى سوق عمل غير منظم أصلاً، لكنه يعيد إنتاج عدم المساواة داخله أيضاً. ومع ذلك، فإن هذا القطاع لا يُنظر إليه فقط باعتباره عبئاً اقتصادياً، بل أيضاً كفضاء يوفر قدراً من الاستقلالية والمرونة، حيث يعترف عدد كبير من العاملين بأنه يمنحهم حرية في التوقيت والعمل، رغم هشاشته وانعدام الضمانات.
لكن خلف هذه “المرونة” الظاهرة، تتراكم كلفة اقتصادية واجتماعية ثقيلة. فالمقاولات المهيكلة تجد نفسها في منافسة غير متكافئة مع فاعلين لا يتحملون العبء الضريبي ولا تكاليف التصريح بالأجراء، ما يسمح لهم بتقديم أسعار أقل تصل في بعض الحالات إلى 45 في المائة. وهو فارق لا يعكس فقط اختلافاً في الكفاءة، بل في شروط الوجود الاقتصادي نفسه.
وتشير التحليلات إلى أن الضغط الضريبي، الذي يصل إلى حوالي 24 في المائة من الناتج الداخلي الخام، إلى جانب صعوبات التمويل البنكي وضعف الإدماج الإداري، يشكلان أحد أبرز أسباب استمرار هذا الاقتصاد الموازي. فبالنسبة لآلاف المقاولين الذاتيين والحرفيين، يبدو الدخول إلى الاقتصاد الرسمي كأنه انتقال من “مرونة البقاء” إلى “عبء الالتزام”، دون ضمانات كافية للنجاة داخل المنظومة الجديدة.
في المقابل، لا يمكن إغفال التحولات التي تعرفها منظومة الحماية الاجتماعية. فالحكومة تؤكد أن ورش التغطية الاجتماعية قطع أشواطاً مهمة، مع وصول عدد المستفيدين من التأمين الصحي إلى حوالي 22 مليون مواطن، وهو رقم يُقدَّم كدليل على تحول اجتماعي واسع نحو التعميم. غير أن هذا التقدم، رغم أهميته، يبدو في مواجهة مباشرة مع معطى آخر: جزء كبير من الفاعلين الاقتصاديين الذين يُفترض أن يستفيدوا من هذه الحماية ما زالوا خارجها أساساً، لأنهم خارج النظام الذي يُنتجها.
هنا بالضبط يتشكل التوتر المركزي: بين دولة توسّع شبكات الحماية، واقتصاد يواصل إنتاج مناطق خارج التغطية. وبين خطاب التعميم، وواقع التشغيل غير المهيكل الذي يعيد إنتاج الهشاشة بشكل يومي. إنها مفارقة لا تُحل بالأرقام وحدها، بل تضع نموذج التنمية نفسه أمام اختبار صعب: هل يمكن بناء حماية اجتماعية شاملة في اقتصاد لا يزال جزء كبير منه خارج الشرعية الاقتصادية؟
في مواجهة هذا الوضع، تقترح الدراسات مقاربات تقوم على الإدماج التدريجي بدل الزجر، وعلى إعادة بناء الثقة بين الدولة والفاعلين الصغار، من خلال تبسيط المساطر، وتخفيف العبء الضريبي، وخلق فضاءات مهنية منظمة تناسب طبيعة الأنشطة الصغيرة. لكن جوهر الإشكال أعمق من الإجراءات التقنية؛ إنه مرتبط بصورة الدولة في المخيال الاقتصادي للمواطن: هل تُرى كفرصة للاستقرار، أم كمنظومة عبء إضافي؟
في النهاية، لا يبدو الاقتصاد غير المهيكل مجرد خلل في النظام، بل يبدو كمرآة تعكس حدود النموذج الاقتصادي والاجتماعي برمته. وبين توسع التغطية الصحية من جهة، واستمرار اتساع الاقتصاد خارجها من جهة أخرى، يظل السؤال معلقاً: هل نحن أمام انتقال تدريجي نحو دولة اجتماعية مكتملة، أم أمام واقع مزدوج تتعايش فيه الحماية مع الهشاشة، دون أن تلتقيان فعلياً في نفس الفضاء الاقتصادي والاجتماعي؟