النموذج التنموي الجديد بعد خمس سنوات: حين تصطدم الرؤية الطموحة بجدار التنفيذ وتُعاد أسئلة الدولة من جذورها: لماذا لا تتحول الخطط إلى واقع؟

0
99

في المدن والقرى، في الإدارات والمستشفيات والمدارس، وفي طوابير الانتظار الطويلة التي أصبحت جزءاً من الحياة اليومية، يتكرر سؤال بصوت خافت لكنه ثابت: لماذا لا تتغير الأشياء بالسرعة التي تُعلن بها الخطط؟

سؤال يبدو بسيطاً في ظاهره، لكنه في العمق يفتح باباً واسعاً على طريقة إدارة التنمية نفسها، وعلى المسافة الفاصلة بين ما يُكتب في الوثائق الاستراتيجية وما يُعاش في الواقع اليومي للمواطنين.

منذ إطلاق النموذج التنموي الجديد، تم تقديمه باعتباره لحظة تحول كبرى في التفكير التنموي بالمغرب، انتقالاً من منطق تدبير الأزمات إلى منطق بناء المستقبل. غير أن مرور خمس سنوات يكشف أن الإشكال لم يعد في قوة التشخيص الأولي، بل في القدرة على تحويل ذلك التشخيص إلى نتائج ملموسة.

وهنا يبدأ السؤال الذي يتجاوز التقييم التقليدي: لماذا تتعثر بعض الأهداف رغم وضوح الرؤية وتوفر الإمكانيات؟

الإجابة لا يمكن أن تكون سطحية، لأنها لا تتعلق بقطاع واحد أو برنامج واحد، بل بمنظومة كاملة من الفهم والتنفيذ والتتبع. ولذلك فإن أي قراءة جادة لما تحقق وما لم يتحقق لا يمكن أن تكتفي بجرد الإنجازات، بل يجب أن تنتقل إلى ما يشبه “التحقيق التنموي”، أي تفكيك المسار من بدايته إلى نهايته، لمعرفة أين تتوقف الفكرة وأين يبدأ التعثر.

في جوهر هذا التعثر، تبرز مسألة أساسية: العلاقة بين القرار والتنفيذ. فليست كل السياسات العمومية تُقاس بجودة صياغتها، بل بقدرتها على التحول إلى فعل إداري واقتصادي واجتماعي على الأرض. وبين النص القانوني والنتيجة النهائية توجد سلسلة طويلة من الفاعلين، من المؤسسات إلى الإدارات، ومن المسؤولين إلى آليات التتبع والتقييم.

هنا يصبح السؤال أكثر حساسية: هل تمتلك المنظومة القدرة الكافية على تحويل الاستراتيجيات إلى نتائج؟ أم أن هناك فجوة دائمة بين التصميم والتنزيل؟

هذه الفجوة، التي يمكن تسميتها “فجوة التنفيذ”، لا ترتبط فقط بالموارد، بل أيضاً بثقافة التدبير نفسها. فحين تكون السرعة المطلوبة للتغيير أعلى من سرعة الإجراءات، يبدأ التباطؤ في الظهور، لا كاستثناء، بل كجزء من البنية.

ومن زاوية أخرى، يطرح ملف التعيينات وتداول المسؤوليات داخل بعض المواقع الإدارية سؤالاً حول مدى تجديد النخب وضخ كفاءات جديدة قادرة على حمل المشاريع الكبرى. فالدولة الحديثة لا تُدار بمنطق التكرار، بل بمنطق التجدد المستمر للخبرات والرؤى. وعندما يصبح تداول المسؤوليات محدوداً داخل دوائر ضيقة، فإن خطر إعادة إنتاج نفس الأساليب يصبح قائماً، حتى مع تغيير البرامج والعناوين.

لكن الإشكال لا يتوقف عند الأشخاص، بل يمتد إلى آليات التقييم نفسها. فغياب ثقافة ربط المسؤولية بالنتيجة بشكل صارم يجعل من الصعب قياس الأداء التنموي بمعايير دقيقة وشفافة. في حين أن التجارب المقارنة تُظهر أن الدول التي تحقق قفزات تنموية حقيقية تعتمد على نظام تقييم لا يكتفي برصد الإنجاز، بل يربطه بالأثر الفعلي على حياة المواطنين.

فالتنمية ليست مشروعاً نظرياً، بل تجربة معيشة. المواطن لا يتعامل مع المؤشرات، بل مع الواقع: فرصة عمل، موعد طبي، جودة تعليم، سرعة إدارة، وعدالة في توزيع الفرص.

ومن هنا، فإن أي قراءة لحصيلة النموذج التنموي الجديد يجب أن تتجاوز منطق الأرقام المجردة إلى منطق الأثر. فارتفاع حجم الاستثمارات، وتوسع المشاريع الكبرى، وتقدم بعض المؤشرات الاقتصادية، لا يكفي وحده لتفسير الصورة الكاملة إذا ظلت البطالة مرتفعة، وإذا بقيت الفوارق الاجتماعية والمجالية حاضرة، وإذا لم تتحول بعض التحولات الكبرى إلى تحسين مباشر في الحياة اليومية.

في التعليم، يتجلى هذا التوتر بوضوح. فالإصلاحات المتتالية تعكس اعترافاً دائماً بوجود أزمة، لكن استمرار الحاجة إلى إصلاح جديد بعد كل إصلاح سابق يطرح سؤالاً أعمق من السياسات نفسها: هل المشكلة في الأدوات أم في طريقة فهم العلاقة بين المدرسة والمجتمع والاقتصاد؟

وفي الصحة، ورغم الطابع التاريخي لورش الحماية الاجتماعية، يظل التحدي الحقيقي في القدرة على ضمان جودة الخدمات وليس فقط تعميم التغطية. فالمساواة في الولوج لا تكتمل دون مساواة في الجودة، وإلا تحول الحق الاجتماعي إلى إطار قانوني أكثر منه واقعاً ملموساً.

أما في الاقتصاد، فرغم الدينامية الاستثمارية الواضحة، يظل السؤال المركزي قائماً حول مدى قدرة هذه الدينامية على إنتاج نسيج اقتصادي متكامل، لا يقتصر على قطاعات محدودة أو مناطق معينة، بل يمتد ليشمل الاقتصاد الوطني ككل.

كل هذه المؤشرات تقود إلى خلاصة واحدة: المشكلة ليست في غياب الرؤية، بل في المسافة بين الرؤية والتحقق.

وهنا يعود من جديد منطق “التحقيق” كأداة لفهم التنمية، لا كإجراء إداري أو تقني، بل كمنهج تفكير. تحقيق لا يبحث عن مسؤول فرد، بل عن منطق اشتغال منظومة كاملة: كيف تُصاغ القرارات؟ كيف تُنفذ؟ كيف تُراقب؟ وكيف تُصحح؟

فالتجارب التنموية الكبرى لا تقوم على النجاح الدائم، بل على القدرة الدائمة على التصحيح. الخطأ فيها ليس نهاية المسار، بل بداية التعلم. أما غياب المراجعة الصارمة، فيحول الأخطاء الصغيرة إلى عوائق كبيرة تتراكم مع الزمن.

من هذا المنظور، لا يبدو السؤال الحقيقي اليوم هو ما إذا كان النموذج التنموي الجديد قد نجح أو فشل بشكل نهائي، بل ما إذا كانت منظومة التنمية نفسها تمتلك القدرة على مساءلة ذاتها بعمق كافٍ يسمح بإعادة تصحيح المسار في الوقت المناسب.

فالدول لا تُقاس فقط بما تخطط له، بل بقدرتها على الاعتراف بما لم يتحقق كما كان مأمولاً، وبشجاعتها في إعادة تفكيك أسباب ذلك، دون تبرير مفرط ودون جلد للذات، بل بمنطق علمي هادئ يرى في التعثر جزءاً من عملية البناء.

وفي نهاية هذا المسار التحليلي، يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً بسيطاً في صياغته، عميقاً في دلالته: هل يكمن التحدي الحقيقي للتنمية في المغرب في نقص الرؤى، أم في طريقة تحويل تلك الرؤى إلى واقع قابل للعيش؟

ذلك السؤال وحده كفيل بإعادة فتح كل الملفات من جديد، ليس بهدف إعادة البداية، بل بهدف فهم الطريق بشكل أدق.