“إقبار لجنة تقصي الحقائق: عندما يُغلق باب الرقابة ويُترك المال العام بلا مساءلة”

0
106

في صباحٍ يبدو عادياً داخل أسواق المدن المغربية، يقف المواطن أمام لحمٍ أصبح حديثه اليومي أكثر من كونه مادة غذائية. الأسعار ترتفع، والجيب يضيق، والوعود الرسمية تتكاثر. وبين هذا وذاك، تتشكل فجوة صامتة بين خطاب المؤسسات وما يعيشه الناس فعلياً، فجوة تجعل أبسط تفاصيل الحياة اليومية تتحول إلى سؤال سياسي ثقيل: من يملك الحقيقة في سوق لا يعترف إلا بالثمن؟

في قلب هذا التوتر، برز ملف الدعم الموجه إلى ما عُرف إعلامياً بـ“الفراقشية”، أي الوسطاء المرتبطين بصفقات استيراد الأغنام والأبقار، حيث تم تخصيص مليارات الدراهم تحت مبررات مرتبطة بضبط السوق وضمان وفرة العرض. غير أن النتائج على الأرض دفعت باتجاه أسئلة أكثر إلحاحاً من الإجابات الرسمية: لماذا لم تنعكس هذه الأرقام على الأسعار؟ ومن استفاد فعلياً من هذه التدفقات المالية الضخمة؟ وكيف تحولت سياسة الدعم، في نظر فئات واسعة من المواطنين، إلى عبء إضافي بدل أن تكون وسيلة للتوازن الاجتماعي؟

داخل المؤسسة التشريعية، وتحديداً في الغرفة الثانية، تحركت محاولات سياسية وبرلمانية للدفع نحو تشكيل لجنة لتقصي الحقائق، باعتبارها الآلية الدستورية الأشد صرامة في الرقابة على تدبير المال العام. غير أن هذه المبادرة اصطدمت بجدار الحسابات السياسية، حين عجزت عن بلوغ النصاب القانوني المطلوب، والمتمثل في توقيع 40 مستشاراً برلمانياً، وهو شرط جعل فكرة التحقيق تتوقف قبل أن تبدأ فعلياً.

المفارقة التي يلتقطها المراقبون هنا لا تتعلق فقط بفشل إجرائي داخل البرلمان، بل بطبيعة المزاج السياسي العام الذي يطبع العلاقة بين الأغلبية الحكومية ومؤسسات الرقابة. فقد اصطف برلمانيون من أحزاب تشكل العمود الفقري للتحالف الحكومي، في موقف رافض لتفعيل لجنة تقصي الحقائق، في لحظة كان فيها السؤال المطروح لا يتعلق بالمساندة أو المعارضة، بل بالشفافية وحق المجتمع في معرفة كيف تُدار مليارات الدعم العمومي.

هذا الاصطفاف أعاد إلى الواجهة نقاشاً أعمق حول معنى المسؤولية السياسية داخل نظام يفترض فيه الدستور التوازن بين الدعم الحكومي والمراقبة البرلمانية. فالمساندة السياسية للقرارات الحكومية، وإن كانت جزءاً طبيعياً من منطق العمل الحزبي داخل الأغلبية، تتحول إلى إشكال عندما تمتد إلى تعطيل أدوات المساءلة نفسها، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بملفات تمس القدرة الشرائية للمواطن بشكل مباشر.

الدستور المغربي، من خلال فصله 67، يمنح مجلس المستشارين صلاحية تشكيل لجان لتقصي الحقائق، باعتبارها أداة استثنائية لكشف الوقائع المعقدة المرتبطة بتدبير الشأن العام. لكن هذه الآلية، رغم قوتها القانونية، تظل رهينة شرط عددي يجعلها في مواجهة دائمة مع الحسابات السياسية، وهو ما ظهر بوضوح في هذا الملف، حيث تحولت العتبة الرقمية إلى حاجز سياسي أكثر منها إجراء تنظيمياً.

وتزامن هذا الإخفاق مع سياق حساس يتمثل في الجدل الذي سبق عيد الأضحى، حين تباينت الأرقام الرسمية بشأن القطيع الوطني بين ما تعلنه الحكومة من وفرة، وما يرصده المواطن في الأسواق من ندرة وارتفاع في الأسعار. هذا التناقض لم يكن مجرد اختلاف تقني في المعطيات، بل انعكاساً لأزمة ثقة أوسع بين الفاعل العمومي والمجتمع.

اقتصادياً، يفتح هذا الملف باب التساؤل حول فعالية سياسات الدعم العمومي حين تُدار في غياب تقييم مستقل وشفاف لنتائجها. فإذا كانت مليارات الدراهم قد وُجهت لدعم استيراد وتوفير اللحوم، فإن المؤشر النهائي لنجاح هذه السياسات يفترض أن يظهر في استقرار الأسعار، لا في ارتفاعها. وهو ما يجعل النقاش ينتقل من مستوى الأرقام إلى مستوى الحكامة والنجاعة.

اجتماعياً، تتعمق الأزمة أكثر حين يشعر المواطن أن القرارات التي تمس معيشه اليومي تُتخذ في فضاء مغلق، بعيداً عن الرقابة الفعلية. هنا لا يعود الأمر مجرد ملف اقتصادي، بل يتحول إلى اختبار لمصداقية المؤسسات وقدرتها على بناء الثقة، وهي الثقة التي تشكل في النهاية أساس الاستقرار السياسي والاجتماعي.

سياسياً، يطرح هذا التطور سؤالاً حساساً حول حدود التوازن داخل الأغلبية الحكومية: هل يعني التنسيق السياسي تعطيل آليات الرقابة؟ أم أن جوهر الديمقراطية يفترض الفصل بين دعم السياسات العمومية ومراقبة تنفيذها؟ وبين هذين الحدّين، تتحدد طبيعة العلاقة بين البرلمان والحكومة، وبينهما وبين المواطن.

وفي الخلفية، يبقى السؤال الأكبر معلقاً: حين تُغلق أبواب التحقيق البرلماني في ملفات بهذا الحجم، من يفتح الباب أمام الحقيقة؟ أم أن الحقيقة نفسها أصبحت جزءاً من الصراع السياسي، تُستدعى عند الحاجة وتُغلق عند الضرورة؟