بين سلطة التقنين وانفلات التحول: إعادة تشكيل الصحافة المغربية على حافة سؤال الشرعية والتمثيل

0
104
صورة صفحة الوزير على الفايسبوك

في لحظة سياسية وإعلامية دقيقة، يعود مشروع إعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة إلى واجهة النقاش العمومي ليس بوصفه مجرد تعديل تقني في نص قانوني، بل باعتباره مرآة تعكس طبيعة العلاقة بين الدولة وفضاء الإعلام، وحدود التوازن بين التنظيم الذاتي للمهنة والسلطة التشريعية، وبين استقلالية الصحافة وإكراهات الضبط المؤسساتي.

الخطاب الذي قدّمه وزير الشباب والثقافة والتواصل محمد المهدي بنسعيد أمام لجنة التعليم والشؤون الثقافية والاجتماعية بمجلس المستشارين، لا يمكن قراءته فقط كدفاع حكومي عن مشروع قانون رقم 09.26، بل كجزء من محاولة أوسع لإعادة صياغة “الشرعية القانونية” للنص بعد مرورِه عبر غربال المحكمة الدستورية، وما ترتب عن ذلك من إسقاط بعض مواده وإعادة ترتيب بنيته الداخلية. هنا لا يتعلق الأمر فقط بتعديل مواد، بل بإعادة بناء الثقة بين الفاعل الحكومي والمؤسسات الرقابية من جهة، وبين الحكومة والفاعلين المهنيين من جهة ثانية.

المحكمة الدستورية، التي أبطلت خمس مواد من النص وأعادت الملف إلى الحكومة لإعادة الصياغة، تحولت في هذا السياق إلى فاعل غير مباشر في إعادة هندسة النقاش العمومي حول الصحافة. فبين من يرى في تدخلها ضمانة لتوازن السلط، ومن يعتبره مجرد ممارسة لا تحمل أي بعد سياسي، يتكشف سؤال أعمق: إلى أي حد يمكن للقانون أن يعكس التوازن الحقيقي داخل حقل إعلامي يعيش أصلاً توتراً بنيوياً بين التنظيم والاستقلالية؟

في هذا السياق، حاول الوزير التأكيد على أن ما جرى لا يدخل في منطق “التنبيه السياسي”، بل هو مسار مؤسساتي طبيعي يندرج ضمن اختصاصات المحكمة الدستورية. لكن خلف هذا التأكيد تكمن حساسية أخرى تتعلق بقراءة الفاعلين السياسيين والإعلاميين لطبيعة التعديلات ذاتها: هل هي مجرد تصحيح دستوري، أم أنها إعادة ضبط لميزان التمثيلية داخل المجلس الوطني للصحافة؟

إحدى أكثر النقاط إثارة في النقاش هي مسألة التمثيلية داخل المجلس، حيث تتقاطع رؤيتان مختلفتان: رؤية تعتبر أن اعتماد آليات جديدة للتمثيل يعزز الانفتاح ويحد من احتكار الهياكل النقابية للقرار، ورؤية أخرى ترى في ذلك تراجعاً عن منطق التمثيل المهني الكلاسيكي الذي تأسس عليه المجلس كهيئة للتنظيم الذاتي. هذا التوتر لا يتعلق فقط بالصيغة التقنية للانتخاب أو التعيين، بل يعكس صراعاً أعمق حول من يملك حق تمثيل الصحافيين: النقابات أم مجموع المهنيين بمختلف انتماءاتهم وعدم انتماءاتهم؟

ومن زاوية أوسع، يطرح هذا النقاش سؤالاً حول معنى “التنظيم الذاتي” في سياق تتحرك فيه المهنة داخل بيئة اقتصادية وإعلامية متغيرة، تتداخل فيها الرقمنة مع هشاشة النموذج الاقتصادي للمؤسسات الصحافية، ومع تحولات عميقة في إنتاج الخبر وتوزيعه واستهلاكه. عندما يشير الوزير إلى أن المجلس ليس “حكومة للصحافيين” بل هيئة للتنظيم الذاتي، فهو يعيد التأكيد على حدود الدور، لكن في الوقت نفسه يفتح الباب أمام سؤال موازٍ: هل ما زال هذا التنظيم الذاتي قادراً على الصمود أمام تعقيدات السوق الإعلامية الحديثة؟

قضية الدعم العمومي تكشف بدورها طبقة أخرى من الإشكال. الاعتراف بعدم رضا المهنيين عن آليات توزيعه يعكس وجود خلل لا يرتبط فقط بالتمويل، بل بفلسفة الدعم نفسها: هل هو دعم لتقوية المقاولة الصحافية؟ أم أداة لتوجيه قطاع يعيش هشاشة اقتصادية؟ أم أنه آلية انتقالية نحو نموذج أكثر استدامة؟ هنا يصبح المجلس الوطني للصحافة ليس مجرد هيئة تنظيمية، بل فضاءً لتدبير التوتر بين الدولة والسوق والمهنة.

في خلفية هذا النقاش، يبرز عنصر أكثر حساسية يتعلق بالعلاقة بين الدولة والتنظيمات المهنية، وخاصة النقابات. نفي وجود نية لمحاصرة النقابات أو تهميشها يعكس إدراكاً لحساسية هذا الملف، لكن في المقابل، يظل سؤال التمثيلية قائماً: كيف يمكن ضمان شمولية التمثيل دون أن يتحول ذلك إلى تفكيك لمفهوم الوساطة النقابية التقليدية؟

ما يظهر من خلال هذا النقاش أن الأزمة ليست في النص القانوني وحده، بل في طبيعة الحقل الإعلامي نفسه الذي يعيش انتقالاً من نموذج تقليدي قائم على مؤسسات واضحة الحدود، إلى فضاء أكثر سيولة، تتداخل فيه المهنية مع الفردية، والمؤسسات مع المنصات الرقمية، والنقابات مع أشكال جديدة من التعبير المهني غير المؤطر.

وهكذا، يتحول المجلس الوطني للصحافة من مجرد مؤسسة تنظيمية إلى ساحة اختبار كبرى: اختبار لقدرة الدولة على إنتاج توازن جديد في قطاع سريع التحول، واختبار لقدرة الصحافة على إعادة تعريف ذاتها خارج الأطر التقليدية، واختبار أيضاً لحدود القانون في مواكبة واقع اجتماعي ومهني يتغير بوتيرة أسرع من النصوص التي تحكمه.

في نهاية المطاف، لا يبدو السؤال الحقيقي مرتبطاً فقط بمشروع القانون أو بمضامينه المعدلة، بل بما إذا كان هذا الإطار المؤسساتي قادراً على أن يكون فعلاً فضاءً جامعاً، أم أنه سيظل مرآة تعكس فقط عمق التوتر بين منطق التنظيم ومنطق الحرية داخل الحقل الإعلامي المغربي، في زمن لم تعد فيه الصحافة مجرد مهنة، بل بنية اجتماعية تعيد تعريف نفسها باستمرار.