الرباط: التزكيات التي تعيد رسم توازنات السلطة وتكشف المنطق الخفي لصناعة القرار السياسي

0
102

في قلب الرباط، حيث تتقاطع خرائط السياسة مع نبض الشارع، لا تبدو الترشيحات الانتخابية مجرد إجراءات تنظيمية داخل حزب سياسي، بل تتحول تدريجياً إلى مشهد يعكس توازنات دقيقة داخل الحقل الحزبي، وإلى لغة أخرى لإعادة توزيع النفوذ قبل موعد صناديق الاقتراع. هناك، حيث تُكتب التفاصيل الصغيرة بمداد ثقيل، يظهر أن ما يجري داخل حزب التجمع الوطني للأحرار يتجاوز مجرد اختيار أسماء لتمثيل الدوائر، ليقترب أكثر من إعادة تشكيل خريطة الثقة داخل العاصمة.

ففي دائرة الرباط–شالة، برز اسم ياسمين لمغور، التي ارتبطت في بعض الأوساط بلقب “مدللة أخنوش”، كمرشحة وُصفت بأنها الأقرب لنيل تزكية الحزب، وفق معطيات متداولة سياسياً وإعلامياً. هذا التطور، وإن بدا في ظاهره قراراً تنظيمياً عادياً ضمن مسار إعداد اللوائح الانتخابية، إلا أنه يفتح باباً واسعاً للتأويل حول طبيعة الاختيارات الداخلية، ومعايير الحسم في التزكيات، وحدود التوازن بين الكفاءة، والرمزية السياسية، والاعتبارات التنظيمية داخل الحزب.

في المقابل، لا يبدو أن هذا التحول مرّ دون أثر على التوازنات السابقة داخل الدائرة نفسها، حيث تشير المعطيات المتداولة إلى أن النائب البرلماني علاء الدين البحراوي وجد نفسه خارج دائرة الترشيحات المحتملة، بعد أن تراجعت فرص استمراره ضمن خريطة الحزب الانتخابية في العاصمة. هذا النوع من التحولات السريعة في مواقع التمثيل السياسي يعكس، من منظور أوسع، دينامية داخلية تتسم بإعادة ترتيب المواقع أكثر من كونها مجرد تداول طبيعي على التزكيات.

وبينما تتحدث مصادر إعلامية عن تحركات يقوم بها البحراوي في اتجاه فتح قنوات تواصل مع أطراف سياسية أخرى، استعداداً لاحتمال خوض الاستحقاقات المقبلة بصفة جديدة، فإن هذه الخطوة، إن تأكدت سياسياً، تعكس ظاهرة أعمق تتكرر في المشهد الحزبي المغربي، حيث يتحول بعض الفاعلين من داخل الأحزاب إلى البحث عن مواقع بديلة خارجها بمجرد اهتزاز موقعهم في لوائح الترشيح. وهي دينامية تعكس هشاشة الارتباط بين الفاعل السياسي والحزب، عندما يصبح التزكية هي نقطة القوة المركزية في المسار السياسي.

ولا تقف الصورة عند حدود دائرة الرباط–شالة، بل تمتد إلى دوائر أخرى داخل العاصمة، حيث تم الحديث أيضاً عن حسم الحزب في تزكية طه الجماني بدائرة المحيط، في قرار أعاد رسم التوقعات السياسية في واحدة من أكثر الدوائر حساسية. هذا الحسم المبكر في الأسماء، وإن كان يندرج ضمن منطق التحضير الانتخابي، إلا أنه يطرح تساؤلات حول طبيعة هندسة الترشيحات، وحدود تأثيرها على توازنات سياسية أوسع، خاصة عندما يتعلق الأمر بدوائر توصف عادة بأنها “مفصلية” في تحديد الوزن الانتخابي داخل العاصمة.

في خلفية هذا المشهد، تبدو الرباط نفسها كفضاء سياسي مشحون، حيث لا تتحرك الأسماء بمعزل عن السياق، ولا تُفهم التزكيات فقط كقرارات تنظيمية، بل كجزء من شبكة أوسع من الحسابات المرتبطة بتوازنات داخلية، وبصورة الحزب، وبقدرته على إعادة إنتاج نخب سياسية قادرة على الحفاظ على حضوره في واحدة من أكثر الدوائر الرمزية في البلاد.

لكن ما تكشفه هذه التحولات، في العمق، ليس مجرد تنافس على مقاعد برلمانية، بل سؤال أوسع حول طبيعة العملية السياسية نفسها: إلى أي حد تعكس التزكيات منطق التمثيل الديمقراطي الداخلي؟ وإلى أي حد تعيد إنتاج دوائر مغلقة من النفوذ داخل الأحزاب؟ وكيف يتفاعل الفاعل السياسي الفردي مع لحظة يصبح فيها موقعه رهيناً بقرار تنظيمي قد يعيد رسم مستقبله بالكامل؟

في نهاية هذا المشهد، لا تبدو القصة مجرد سباق انتخابي عابر، بل مرآة لحالة سياسية أوسع، حيث تتقاطع الطموحات الفردية مع الحسابات الحزبية، وتتحول الدوائر الانتخابية إلى مساحات اختبار حقيقية لمعادلة أعمق: من يملك حق صناعة التمثيل، ومن يُعاد تشكيله خارجها؟