محاكمة فاروق المهداوي.. هل أصبح هدم حي المحيط معركةً حول الحق في الكلام؟

0
133

بعد تشبثه بحقه في الدفاع وانسحاب هيئة مؤازرته من الجلسة، غادرت قضية المحامي والمستشار الجماعي فاروق المهداوي دائرة المتابعة القضائية العادية لتتحول إلى ملف يثير أسئلة أكبر تتجاوز شخصه وتهمته، وتمتد إلى طبيعة العلاقة بين الفاعل السياسي المحلي، وحرية التعبير، وحدود النقد العمومي في القضايا التي تمس تدبير المدينة ومستقبل سكانها. فقرار المحكمة الابتدائية بالرباط تأجيل الملف إلى 25 يونيو الجاري لمناقشته، لم يكن مجرد إجراء مسطري جديد، بل جاء في سياق مشحون بالنقاشات التي ترافق منذ أشهر ملف هدم عدد من المنازل بحي المحيط، وهو الملف الذي أصبح واحداً من أكثر الملفات إثارة للجدل داخل العاصمة.

الجلسة التي شهدت شدّاً وجذباً بين هيئة الحكم والدفاع حول مدى جاهزية الملف للمناقشة، عكست في العمق حجم الحساسية التي اكتسبتها القضية. فالدفاع اعتبر أن الملف غير جاهز، خصوصاً بعد تسجيل عشرات المؤازرات الجديدة، بينما رأت المحكمة أن شروط المناقشة متوفرة. وبين الموقفين برز عنصر أساسي هو إصرار المتابع على التمسك بحقه في الدفاع، وطلبه منح مهلة إضافية لإعداد الملف، وهو ما استجابت له المحكمة مع اعتبار الجلسة المقبلة آخر أجل للمناقشة.

لكن قراءة الملف من زاوية الإجراءات وحدها تبقى قاصرة عن فهم أبعاده الحقيقية. فالمتابعة القضائية مرتبطة مباشرة بواحد من أكثر الملفات العمرانية والاجتماعية حساسية في الرباط خلال السنوات الأخيرة، وهو ملف الهدم وإعادة الهيكلة بحي المحيط والمناطق المجاورة له. فمنذ انطلاق عمليات الإفراغ والهدم، انقسم الرأي العام بين من يرى فيها جزءاً من مشروع لإعادة تأهيل العاصمة وتحديث بنيتها العمرانية، وبين من يعتبر أن بعض الإجراءات تطرح أسئلة مرتبطة بحقوق السكان وآليات التعويض والتشاور مع المتضررين. وقد كان فاروق المهداوي من أبرز الأصوات السياسية والحقوقية التي اختارت الانخراط في هذا النقاش العمومي والدفاع عن المتضررين، سواء داخل مجلس جماعة الرباط أو عبر الندوات والتصريحات الإعلامية.

ومن هنا تكتسب القضية بعداً يتجاوز النص الجنائي المتابع بموجبه. فالتهمة الموجهة إليه تتعلق بـ”بث وتوزيع ادعاءات ووقائع كاذبة بقصد المساس بالحياة الخاصة للأشخاص والتشهير بهم”، غير أن السياق الذي ولدت فيه المتابعة مرتبط بخلاف عمومي حول تدبير ملف عمراني واجتماعي معقد. ولذلك فإن جزءاً من النقاش الدائر اليوم لا يتعلق فقط بمدى صحة أو عدم صحة الوقائع موضوع المتابعة، بل يتصل أيضاً بالسؤال الدائم حول الحدود الفاصلة بين النقد السياسي والحقوقي من جهة، والحماية القانونية للأشخاص من جهة أخرى.

ويزداد هذا المعطى أهمية إذا استحضرنا أن المهداوي لا يتحرك فقط بصفته محامياً أو فاعلاً حقوقياً، بل أيضاً باعتباره منتخباً محلياً ومرشحاً سياسياً بارزاً بدائرة الرباط المحيط في أفق الانتخابات التشريعية المقبلة، وهي دائرة توصف داخل الأوساط السياسية بأنها من أكثر الدوائر تنافسية وحساسية بالعاصمة. وقد حصل مؤخراً على تزكية فيدرالية اليسار الديمقراطي لخوض هذا الاستحقاق، ما يجعل كل تطور يخصه يحمل بالضرورة أبعاداً سياسية إضافية تتجاوز الإطار القضائي البحت.

كما أن حجم المؤازرة الذي رافق الملف منذ بدايته يكشف بدوره أن القضية لم تعد تُقرأ فقط باعتبارها نزاعاً بين طرفين. فقد شهدت جلسات سابقة حضور عشرات المحامين والحقوقيين والفاعلين المدنيين، فيما اعتبرت هيئات حقوقية أن متابعة المهداوي ترتبط بمواقفه من ملف الهدم ودفاعه عن الساكنة المتضررة، بينما يظل الحسم النهائي في هذه الادعاءات من اختصاص القضاء وحده وفق ما ستكشف عنه المناقشة الموضوعية للملف.

والواقع أن ما يجري اليوم يعكس تحولات أعمق تعرفها المدن المغربية الكبرى. فكلما ارتفعت وتيرة المشاريع الحضرية الكبرى، ارتفع معها منسوب الاحتكاك بين منطق التخطيط العمراني ومنطق الحقوق الاجتماعية للسكان. وفي مثل هذه اللحظات تصبح المحاكم فضاءً موازياً للنقاش العمومي، ليس فقط للفصل في النزاعات، بل أيضاً لاختبار قدرة المؤسسات على تحقيق التوازن بين حماية السمعة والحقوق الفردية من جهة، وضمان حرية التعبير والنقد العمومي من جهة أخرى.

لذلك قد لا تكون الجلسة المقبلة مجرد موعد قضائي جديد في ملف شخصي. فالقضية في جوهرها أصبحت مرآة لأسئلة أكبر تتعلق بكيفية إدارة الخلاف داخل المجتمع، وبالمسافة الفاصلة بين السلطة والنقد، وبين المشاريع العمرانية وحقوق المواطنين، وبين النص القانوني والرهانات السياسية والاجتماعية المحيطة به. وعندما تفتح المحكمة ملف فاروق المهداوي من جديد يوم 25 يونيو، فإنها لن تكون أمام وقائع معزولة فقط، بل أمام قضية تختزل جزءاً من النقاش الذي تعيشه الرباط حول مستقبل المدينة، وحول الكيفية التي يمكن بها لدولة المؤسسات أن تدير اختلافاتها دون أن يتحول الخلاف العمومي إلى معركة حول الحق في الكلام نفسه.