إنفانتينو يهزّ مونديال 2026: هل يتحول ملف الصحفي الفرنسي المعتقل في الجزائر إلى أكبر أزمة تلاحق تبون أمام العالم؟

0
94

خلال الساعات التي سبقت انطلاق كأس العالم 2026، لم يكن الحديث في مدينة مكسيكو سيتي مقتصراً على المنتخبات المشاركة أو النجوم المرشحين لصناعة الحدث، بل تسلل اسم صحفي فرنسي معتقل في الجزائر إلى قلب أكبر منصة كروية في العالم. فعندما يختار رئيس FIFA، Gianni Infantino، أن يخصص جزءاً من مؤتمره الصحفي الرسمي للحديث عن كريستوف غليز، فإن القضية تتجاوز حدود ملف قضائي محلي لتتحول إلى سؤال عالمي حول العلاقة المعقدة بين الرياضة والإعلام والحرية.

ففي الوقت الذي كانت فيه الأنظار تتجه إلى المباراة الافتتاحية للمونديال، أعاد إنفانتينو تسليط الضوء على قضية الصحفي الرياضي الفرنسي كريستوف غليز، معبراً عن أمله في أن يستفيد من عفو رئاسي يتيح له استعادة حريته والانضمام إلى تغطية الحدث العالمي. وقد بدت الرسالة أبعد من مجرد موقف إنساني عابر، لأنها صدرت من أعلى هرم المؤسسة الكروية الدولية التي تحرص عادة على تجنب الخوض في الملفات السياسية والقضائية للدول.

ما يجعل هذه القضية استثنائية ليس فقط طبيعة الأحكام الصادرة في حق الصحفي الفرنسي، بل أيضاً التوقيت الذي عادت فيه إلى الواجهة. فالعالم يعيش اليوم لحظة أصبحت فيها كرة القدم صناعة إعلامية ضخمة تتجاوز نتائج المباريات وأداء اللاعبين. فكل مونديال يتحول إلى فضاء عالمي للنقاش حول قضايا حقوق الإنسان وحرية التعبير وحقوق العمال والمساواة والحريات العامة. ومن هنا يبدو طبيعياً أن يتحول ملف صحفي معتقل إلى جزء من النقاش المصاحب لأكبر تظاهرة رياضية على الكوكب.

اللافت أن قضية غليز لم تعد محصورة داخل الأوساط الحقوقية أو الصحفية التقليدية. فبعد أن كانت المنظمات المدافعة عن حرية الصحافة، وعلى رأسها Reporters Without Borders، هي التي تتبنى الملف، انتقلت القضية إلى فضاء رياضي عالمي. وقد حمل منح الاعتماد الصحفي الرمزي له لتغطية كأس العالم رسالة سياسية وأخلاقية واضحة مفادها أن الصحفي، حتى وهو خلف القضبان، ما زال يُنظر إليه كجزء من المجتمع الإعلامي الدولي.

ومن زاوية أوسع، تطرح هذه القضية سؤالاً حساساً حول صورة الدول في العصر الرقمي. فقبل عقود كان بالإمكان أن تبقى الملفات القضائية الداخلية بعيدة عن الاهتمام الدولي، أما اليوم فإن قضية فرد واحد يمكن أن تتحول إلى موضوع نقاش عالمي خلال ساعات. ولم تعد السمعة الدولية للدول تُقاس فقط بمؤشرات الاقتصاد أو القوة العسكرية أو الإنجازات الرياضية، بل أيضاً بطريقة تعاملها مع الصحفيين والنشطاء وأصحاب الرأي.

وتزداد حساسية الملف بالنظر إلى أن الجزائر تسعى منذ سنوات إلى تعزيز حضورها الدبلوماسي والإقليمي، وتقديم نفسها كفاعل أساسي في القضايا الإفريقية والمتوسطية. غير أن استمرار تداول قضية صحفي أجنبي معتقل في وسائل الإعلام الدولية يضع هذا الطموح أمام اختبار صعب، لأن الرأي العام العالمي لا يفصل دائماً بين الأداء السياسي وصورة الحريات العامة داخل الدول.

وفي المقابل، يرى المدافعون عن السلطات الجزائرية أن الملف يظل قضية قضائية خاضعة للقوانين الوطنية وأحكام المحاكم، وأن أي تدخل خارجي قد يُنظر إليه باعتباره مساساً باستقلالية القضاء. وهنا يظهر التوتر التقليدي بين مبدأ السيادة الوطنية ومطالب المنظمات الدولية التي تعتبر حرية الصحافة قيمة كونية تتجاوز الحدود الجغرافية.

أما على المستوى الرياضي، فإن دخول الاتحاد الدولي لكرة القدم على خط النقاش يكشف تحوّلاً مهماً في طبيعة المؤسسات الرياضية الكبرى. فالفيفا التي كانت تُتهم لعقود بالابتعاد عن الملفات الحقوقية تجد نفسها اليوم تحت ضغط متزايد من الرأي العام العالمي ومنظمات المجتمع المدني لاتخاذ مواقف أخلاقية تجاه القضايا المرتبطة بالحريات والحقوق الأساسية. ولذلك يمكن قراءة تصريح إنفانتينو باعتباره محاولة للتوفيق بين عالم كرة القدم ومتطلبات المسؤولية الأخلاقية التي باتت تلاحق كل مؤسسة ذات تأثير عالمي.

ولعل أكثر ما يثير الانتباه في هذه القضية أن اسم كريستوف غليز أصبح حاضراً في ملاعب كرة القدم الأوروبية أكثر مما هو حاضر في قاعات المحاكم. فحين يضع الاتحاد الفرنسي لكرة القدم اسمه داخل الملاعب خلال المباريات التحضيرية للمونديال، فإن الرسالة لا تستهدف فقط التضامن مع شخص معين، بل تسعى إلى تحويل قضية حرية الصحافة إلى جزء من المشهد الرياضي نفسه. وهنا يصبح السؤال: هل تحولت كرة القدم إلى منصة للدفاع عن الحقوق والحريات بقدر ما هي منصة للتنافس الرياضي؟

في النهاية، لا تبدو أهمية القضية مرتبطة بمصير صحفي واحد فقط، بل بما تكشفه من تحولات عميقة في العالم المعاصر. فبينما كانت الرياضة والإعلام والسياسة تسير سابقاً في مسارات متوازية، أصبحت اليوم متداخلة إلى درجة يصعب معها الفصل بينها. ولذلك فإن السؤال الحقيقي الذي يفرض نفسه بعد دعوة إنفانتينو ليس ما إذا كان كريستوف غليز سيحصل على عفو رئاسي أم لا، بل ما إذا كانت الدول والمؤسسات الرياضية والإعلامية قد دخلت مرحلة جديدة يصبح فيها ملف صحفي واحد قادراً على منافسة نهائي كأس العالم نفسه في جذب انتباه الرأي العام الدولي.