معرض “Ayam Immo” بالدار البيضاء: حين يتحول الحلم العقاري إلى مرآة لقلق اجتماعي متصاعد في المغرب

0
102

يبدو للوهلة الأولى أن تنظيم معرض عقاري جديد في مدينة الدار البيضاء ليس سوى محطة ترويجية إضافية في رزنامة التظاهرات الاقتصادية التي تشهدها المملكة على مدار السنة. لكن عند التوقف أمام النسخة الجديدة من معرض Ayam Immo، الذي احتضنته العاصمة الاقتصادية يومي 19 و20 يونيو 2026 بمبادرة من مجموعة البنوك الشعبية وبمشاركة فاعلين من قطاعات العقار والتمويل والاستثمار، يتبين أن القضية تتجاوز مجرد عرض شقق أو تسويق مشاريع سكنية. فالمعرض يأتي في لحظة دقيقة يعيش فيها القطاع العقاري المغربي تحولات عميقة، بين ارتفاع الطلب على السكن، وتحديات القدرة الشرائية، وتغير أنماط الاستثمار، وتنامي انتظارات مغاربة العالم الراغبين في الاحتفاظ بجسور اقتصادية متينة مع وطنهم الأم.

فالعقار في المغرب لم يعد مجرد قطاع اقتصادي معزول، بل أصبح مرآة تعكس وضعية الاقتصاد الوطني برمته. فمن خلاله يمكن قراءة مؤشرات الثقة والاستثمار، ورصد دينامية المدن، وقياس قدرة الأسر على تحقيق حلم امتلاك السكن. ولذلك فإن اختيار الدار البيضاء لاحتضان هذه التظاهرة ليس أمراً اعتباطياً، فهي القلب الاقتصادي للمملكة، والمدينة التي تستقطب أكبر حجم من الاستثمارات والمشاريع العقارية، وتعيش في الوقت ذاته ضغوطاً متزايدة مرتبطة بالنمو الديمغرافي والتوسع العمراني والحاجة إلى فضاءات سكنية ومهنية أكثر ملاءمة للتحولات الاجتماعية والاقتصادية.

ومن هنا تكتسب مشاركة رئيس الفيدرالية الوطنية للمنعشين العقاريين، توفيق كامل، في حفل الافتتاح دلالة خاصة، لأنها تعكس وعياً متزايداً لدى الفاعلين بأن مستقبل القطاع لا يرتبط فقط بإنتاج المزيد من الوحدات العقارية، بل بقدرتهم على فهم التحولات الجديدة التي يعرفها السوق. فالمغاربة الذين كانوا يبحثون قبل سنوات عن سكن بأي ثمن، أصبحوا اليوم أكثر اهتماماً بجودة العيش، وموقع العقار، والبنيات التحتية المحيطة به، ومستوى الخدمات المرافقة له. كما أن المستثمرين بدورهم لم يعودوا ينظرون إلى العقار بنفس المنطق التقليدي، بل أصبحوا يبحثون عن فرص تجمع بين القيمة الاستثمارية والاستدامة والقدرة على مواكبة التحولات الاقتصادية.

وفي هذا السياق، يبرز استهداف المعرض لفئة المقتنين لأول مرة ومغاربة العالم باعتباره مؤشراً على إعادة رسم خريطة الطلب العقاري بالمغرب. فالشباب المغربي الذي يواجه تحديات الولوج إلى السكن في ظل ارتفاع الأسعار وصعوبة التمويل يمثل اليوم إحدى أكبر المعادلات التي تؤرق الفاعلين العموميين والخواص على حد سواء. أما مغاربة العالم، الذين يشكلون قوة اقتصادية ومالية هائلة، فقد تحولوا إلى رافعة أساسية للاستثمار العقاري، خصوصاً في ظل التحويلات المالية القياسية التي يسجلونها سنوياً، والرغبة المتزايدة لدى جزء كبير منهم في الاحتفاظ بعلاقة استثمارية وعاطفية مع بلدهم الأصلي.

غير أن أهمية هذه التظاهرة لا تكمن فقط في استقطاب المشترين المحتملين، بل أيضاً في ما تكشفه من تحولات بنيوية داخل القطاع نفسه. فإطلاق جولة وطنية للمعرض عبر عدد من المدن الكبرى يعكس إدراكاً بأن السوق العقارية المغربية لم تعد تتمحور حصرياً حول محور الدار البيضاء – الرباط، بل أصبحت دينامية الاستثمار تمتد نحو مدن جديدة تستفيد من مشاريع البنية التحتية الكبرى، ومن إعادة توزيع الأنشطة الاقتصادية والسكانية على مختلف جهات المملكة.

ومن أبرز المؤشرات التي تستحق التوقف عندها في هذه النسخة، تخصيص فضاء خاص بالمهنيين الأحرار ورواد الأعمال لاكتشاف محلات وفضاءات مهنية ملائمة لاحتياجاتهم. فهذه الخطوة تبدو في ظاهرها تفصيلاً تنظيمياً بسيطاً، لكنها في العمق تعكس تحولات اقتصادية أعمق. فالمغرب يعيش منذ سنوات توسعاً ملحوظاً في فئات المقاولين الذاتيين وأصحاب المشاريع الصغيرة والمتوسطة والمهن الحرة، وهي فئات أصبحت تبحث عن فضاءات عمل حديثة ومندمجة داخل النسيج الحضري، بدل النموذج التقليدي للمكاتب المعزولة أو المحلات التجارية محدودة الوظائف.

وتكشف هذه الدينامية أيضاً عن انتقال العقار المغربي من التركيز الحصري على السكن إلى تنويع العرض ليشمل العقار المهني والتجاري والاستثماري. فكل مدينة كبرى تشهد اليوم سباقاً نحو استقطاب الشركات الناشئة والخدمات الحديثة والمهن الجديدة المرتبطة بالاقتصاد الرقمي، وهو ما يفرض إعادة التفكير في طبيعة الفضاءات العقارية المطلوبة خلال السنوات المقبلة. لذلك فإن المعارض العقارية لم تعد مجرد أسواق للبيع والشراء، بل أصبحت مختبرات لرصد التحولات الاجتماعية والاقتصادية واستشراف حاجيات المستقبل.

لكن وسط هذا الحراك، يظل السؤال الجوهري مطروحاً: هل يكفي تنظيم المعارض وتوسيع العرض العقاري لحل معضلة الولوج إلى السكن وتحقيق التوازن داخل السوق؟ فالأرقام والبرامج والمشاريع قد تعكس حيوية القطاع، غير أن التحدي الحقيقي يبقى في قدرة المواطن العادي على تحويل حلم التملك إلى واقع ملموس. وهنا تتقاطع رهانات العقار مع رهانات التمويل والسياسات العمومية والتخطيط الحضري والعدالة المجالية.

لذلك فإن ما جرى في الدار البيضاء لا ينبغي النظر إليه فقط كحدث مهني يجمع المنعشين العقاريين والبنوك والمستثمرين، بل كصورة مصغرة للنقاش الأكبر حول مستقبل المدينة المغربية، ومستقبل الطبقة المتوسطة، ومستقبل العلاقة بين التنمية الاقتصادية وجودة الحياة. فالعقار في النهاية ليس مجرد إسمنت وحديد ومتر مربع، بل هو سؤال عن الاستقرار والانتماء والكرامة والقدرة على بناء مشروع حياة.

ومن هنا يبرز السؤال الذي يتجاوز حدود معرض «Ayam Immo» نفسه: هل ينجح المغرب في بناء نموذج عقاري يجعل السكن حقاً تنموياً وفرصة استثمارية في آن واحد، أم أن الفجوة ستتسع مستقبلاً بين مدن تنمو بسرعة وأسعار ترتفع باستمرار، وبين مواطنين يزداد حلمهم بامتلاك منزل كل يوم صعوبة وتعقيداً؟ هذا هو السؤال الحقيقي الذي يختبئ خلف أروقة المعارض العقارية وخلف كل مشروع جديد يرتفع في أفق المدن المغربية.