هل اشترى ترامب السلام مع إيران بأموال الخليج؟ قراءة في الصفقة التي قد تعيد رسم الشرق الأوسط

0
60

هل اشترى ترامب السلام مع إيران بأموال الخليج؟ ما الذي تخفيه الصفقة التي أوقفت الحرب في اللحظات الأخيرة؟

في الشرق الأوسط لا تنتهي الحروب دائمًا بانتصار طرف وهزيمة طرف آخر، بل كثيرًا ما تتوقف عند النقطة التي يكتشف فيها الجميع أن كلفة الاستمرار أصبحت أكبر من كلفة التراجع. ولهذا لم يكن السؤال الحقيقي بعد الإعلان المفاجئ عن التوصل إلى اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران لوقف الحرب هو: من انتصر؟ بل: ما الثمن الذي دُفع كي تتوقف الحرب أصلاً؟

ففي الساعات التي سبقت الإعلان، كانت المنطقة تعيش على إيقاع توقعات متناقضة. التصعيد العسكري بلغ مستويات غير مسبوقة، والتهديدات المتبادلة كانت توحي بأن المواجهة تتجه نحو مرحلة أكثر خطورة. لكن فجأة تغير المشهد. توقفت لغة الصواريخ، وبدأت لغة التفاهمات. وبين هذين المشهدين ظهر سؤال أثار جدلاً واسعاً: هل نجحت واشنطن في شراء موافقة طهران على الاتفاق عبر إغراءات اقتصادية ضخمة؟ وهل طُرحت بالفعل فكرة مساهمة دول الخليج في إعادة إعمار ما دمرته الحرب؟

هذه الأسئلة لا تتعلق فقط بتفاصيل اتفاق سياسي، بل تكشف عن طبيعة التحولات الجارية في المنطقة. فمنذ عقود كانت العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران قائمة على منطق العقوبات والردع والاحتواء. أما اليوم، فإن الحديث لم يعد يدور فقط حول البرنامج النووي أو الصواريخ الباليستية، بل حول مستقبل الاقتصاد الإيراني نفسه وموقعه داخل النظام الاقتصادي العالمي.

اللافت في النقاش الدائر أن بعض التسريبات والتصريحات تحدثت عن أرقام ضخمة تتجاوز مئات المليارات من الدولارات، وعن مشاريع استثمارية محتملة يمكن أن تجعل إيران جزءاً من شبكة اقتصادية إقليمية جديدة. وبينما نفت شخصيات أمريكية وجود أي صندوق تعويضات مباشر، فإنها لم تنفِ فكرة الاستثمار في إيران إذا تحولت إلى ما وصفته بـ”الدولة الطبيعية” القابلة للاندماج في الاقتصاد الدولي.

وهنا تظهر نقطة جوهرية غالباً ما تضيع وسط الضجيج الإعلامي. فالقضية لا تتعلق فقط بمن سيدفع الأموال، بل بمن سيجني المكاسب السياسية الناتجة عنها. فالاستثمار ليس عملاً خيرياً، بل أداة نفوذ. وكل دولار يدخل إلى اقتصاد ما يحمل معه مصالح وشراكات وتأثيرات طويلة المدى. لذلك فإن أي انفتاح اقتصادي محتمل على إيران لن يكون مجرد عملية مالية، بل سيكون إعادة رسم لخريطة التوازنات في الخليج والشرق الأوسط.

ومن هذه الزاوية يمكن فهم إصرار بعض الأصوات الأمريكية على الحديث عن مشاركة إقليمية في إعادة دمج إيران اقتصادياً. فالولايات المتحدة تدرك أن الاستقرار المستدام لا تصنعه القوة العسكرية وحدها. التجارب السابقة، من العراق إلى أفغانستان، أظهرت أن إسقاط التهديد العسكري لا يعني بالضرورة بناء السلام. ولذلك يبدو أن جزءاً من التفكير الاستراتيجي الأمريكي انتقل من سؤال “كيف نُضعف إيران؟” إلى سؤال آخر أكثر تعقيداً: “كيف نجعل إيران أقل ميلاً للمواجهة وأكثر ارتباطاً بمصالح اقتصادية مشتركة؟”

في المقابل، لا تبدو الرواية الإيرانية متطابقة مع هذا التصور. فطهران ما تزال تقدم نفسها باعتبارها الطرف الذي تعرض للعدوان ويستحق تعويضات، وترفض من حيث المبدأ تحميل الآخرين كلفة ما تعتبره نتائج لسياسات أمريكية وإسرائيلية. ولهذا فإن الحديث عن مساهمة خليجية في إعادة الإعمار يُنظر إليه داخل بعض الأوساط الإيرانية باعتباره محاولة أمريكية لنقل الفاتورة إلى دول المنطقة بدلاً من تحملها مباشرة.

لكن خلف هذا السجال المالي يبرز سؤال أكثر أهمية: ماذا تغير فعلاً في ميزان القوى؟

القراءة المتأنية تشير إلى أن الحرب لم تُنهِ إيران، كما لم تحقق لها نصراً استراتيجياً حاسماً. فالطرفان خرجا بخسائر ومكاسب في الوقت نفسه. الولايات المتحدة وإسرائيل تمكنتا من توجيه ضربات مؤلمة للبنية العسكرية والاقتصادية الإيرانية، لكنهما لم تنجحا في تحقيق سيناريو الانهيار السياسي الذي كان البعض يراهن عليه. أما إيران فنجحت في الصمود ومنعت سقوط النظام أو فرض استسلام كامل عليها، لكنها وجدت نفسها أمام واقع اقتصادي أكثر صعوبة وضغوط داخلية وخارجية أكبر.

ولهذا تبدو المفاوضات الحالية أشبه باعتراف متبادل بحدود القوة. فواشنطن اكتشفت أن تغيير إيران بالقوة العسكرية وحدها مهمة شبه مستحيلة، وطهران أدركت أن الاستمرار في المواجهة المفتوحة يهدد اقتصادها ومستقبلها التنموي. ومن هنا نشأت المنطقة الرمادية التي تسمى عادة “التسوية”.

وإذا كانت التفاصيل النهائية للاتفاق لم تُكشف بالكامل بعد، فإن المؤشرات المتوافرة توحي بأن الملف النووي لم يعد القضية الوحيدة المطروحة على الطاولة. هناك حديث عن ترتيبات أمنية أوسع، وعن ضبط السلوك الإقليمي، وعن فتح مسارات اقتصادية جديدة، بل وحتى عن إمكانية الانتقال مستقبلاً نحو شكل من أشكال التطبيع التدريجي في العلاقات بين واشنطن وطهران بعد أكثر من أربعة عقود من القطيعة والعداء.

غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في توقيع الاتفاق، بل في القدرة على تنفيذه. فالشرق الأوسط مليء بالاتفاقات التي ولدت على الورق وماتت على أرض الواقع. وهناك أطراف إقليمية ودولية كثيرة قد لا تنظر بعين الرضا إلى أي تقارب أمريكي إيراني واسع. كما أن ملفات النفوذ والصواريخ والتحالفات المسلحة لا يمكن حلها ببيانات سياسية أو استثمارات اقتصادية فقط.

لذلك ربما يكون السؤال الأكثر عمقاً من كل الجدل حول “300 مليار دولار” أو غيرها من الأرقام هو: هل نحن أمام نهاية مرحلة تاريخية بدأت مع الثورة الإيرانية عام 1979، أم أننا أمام هدنة مؤقتة تفرضها الضرورات قبل أن تعود الصراعات بأشكال جديدة؟

ذلك هو السؤال الذي سيحدد مستقبل المنطقة بأكملها. فالقصة لم تعد تتعلق بمن سيدفع فاتورة الحرب، بل بمن سيكتب قواعد السلام القادم. وبين الفاتورة والاتفاق، وبين العقوبات والاستثمارات، تقف المنطقة أمام مفترق طرق قد يعيد تشكيل الشرق الأوسط لعقود مقبلة.