حين يهزّ اسم فوزي لقجع الأحزاب المغربية: هل دخلت النخب السياسية مرحلة الإفلاس أم مرحلة البحث عن المنقذين؟

0
111

من خلال تدوينة مصطفى الفن.. هل تكشف معركة “استقطاب لقجع” أزمة ثقة أعمق داخل النخب السياسية المغربية؟

في بعض الأحيان، لا تكمن أهمية التدوينات السياسية في ما تقوله عن الأشخاص بقدر ما تكشفه عن المناخ الذي تتحرك داخله السياسة نفسها. وهذا ما ينطبق إلى حد بعيد على التدوينة المطولة التي نشرها الصحافي مصطفى الفن على صفحته بموقع فيسبوك، والتي تناول فيها ما يتردد حول محاولات استقطاب الوزير المنتدب المكلف بالميزانية فوزي لقجع إلى دوائر حزب الأصالة والمعاصرة.

في ظاهرها، تبدو التدوينة سجالاً سياسياً حول اسم مسؤول بارز وحزب سياسي كبير. لكن في عمقها تطرح أسئلة أكثر تعقيداً تتعلق بطبيعة النخب الحزبية في المغرب، وبحدود النفوذ السياسي، وبالأزمة المتنامية التي تعيشها الأحزاب في علاقتها مع الرأي العام.

ما يلفت الانتباه في طرح مصطفى الفن ليس فقط انتقاده الحاد لبعض القيادات الحزبية، وإنما محاولته الربط بين الجدل الدائر حول اسم فوزي لقجع وبين صورة حزب الأصالة والمعاصرة كما تشكلت خلال السنوات الأخيرة في المخيال السياسي المغربي. فالرجل لا يناقش مجرد انتقال سياسي محتمل، بل يتساءل عن القيمة السياسية المضافة التي يمكن أن تنتج عن مثل هذا التقارب، وما إذا كانت الأحزاب ما زالت قادرة على صناعة النخب من داخلها أم أنها أصبحت تبحث عن شخصيات جاهزة تمتلك رصيداً مؤسساتياً وشعبية مستقلة عن التنظيمات السياسية.

وهنا تظهر إحدى الإشكاليات الكبرى التي تواجه الحياة الحزبية المغربية منذ سنوات. فكلما برز اسم شخصية تتمتع بحضور قوي داخل مؤسسات الدولة أو داخل قطاعات استراتيجية، يتجدد النقاش حول إمكانية التحاقها بهذا الحزب أو ذاك. وكأن الأحزاب لم تعد تتنافس على البرامج والرؤى بقدر ما أصبحت تتنافس على استقطاب الأسماء القادرة على منحها زخماً إضافياً في معركة الصورة والتأثير.

فوزي لقجع يمثل نموذجاً لهذه الظاهرة. فالرجل الذي راكم حضوراً لافتاً في تدبير الملفات المالية، ونجح في بناء نفوذ مؤثر داخل المنظومة الرياضية الوطنية والقارية والدولية، لم يعد مجرد مسؤول حكومي عادي. لقد تحول إلى اسم يرتبط في نظر كثيرين بالقدرة على الإنجاز والتدبير والفعالية. ولذلك فإن أي حديث عن مستقبله السياسي يتجاوز شخصه ليصبح نقاشاً حول موازين القوة داخل المشهد السياسي برمته.

لكن خلف هذا النقاش يبرز سؤال آخر أكثر حساسية: لماذا أصبحت الأحزاب المغربية في حاجة دائمة إلى استقطاب شخصيات قوية بدل إنتاجها؟

هذا السؤال ليس جديداً. فمنذ سنوات طويلة، يلاحظ عدد من الباحثين في العلوم السياسية أن الأحزاب المغربية تعاني من تراجع قدرتها على تكوين نخب جديدة قادرة على قيادة المؤسسات والقطاعات الاستراتيجية. وفي المقابل، أصبحت العديد من الشخصيات المؤثرة تبني حضورها خارج الإطار الحزبي التقليدي، سواء عبر الإدارة أو الاقتصاد أو المؤسسات العمومية أو الرياضة أو المجتمع المدني.

والنتيجة أن الأحزاب تجد نفسها في كثير من الأحيان أمام معادلة معقدة: فهي تحتاج إلى هذه الأسماء لتعزيز حضورها الانتخابي والسياسي، لكنها في الوقت نفسه تعترف ضمنياً بعدم قدرتها على إنتاج قيادات تمتلك الوزن نفسه.

التدوينة تفتح أيضاً باباً آخر للنقاش يتعلق بمسألة الثقة. فحين تنتشر داخل المجال السياسي روايات تتحدث عن النفوذ والعلاقات والارتباط بمراكز القرار، فإن ذلك لا يؤثر فقط على صورة الأحزاب، بل ينعكس كذلك على نظرة المواطنين إلى العملية السياسية برمتها. فالمواطن الذي يسمع باستمرار عن صراعات النفوذ واستقطاب الأعيان وتحركات الكواليس قد يجد نفسه بعيداً عن النقاش الحقيقي المتعلق بالبرامج والسياسات العمومية والحلول المقترحة لمشاكله اليومية.

ومن هنا تكتسب هذه السجالات أهميتها. فهي لا تعكس مجرد تنافس انتخابي، بل تكشف أزمة أعمق تتعلق بصورة السياسة نفسها. فكلما طغى الحديث عن الأشخاص، تراجع الحديث عن الأفكار. وكلما احتلت الحسابات الفردية واجهة النقاش، تراجعت الأسئلة المرتبطة بالتنمية والتعليم والصحة والتشغيل والعدالة الاجتماعية.

في المقابل، لا يمكن تجاهل أن جزءاً من الجدل الذي يرافق هذه النقاشات يرتبط أيضاً بتحولات عرفها المغرب خلال العقدين الأخيرين. فقد تغيرت طبيعة النخب، وتغيرت مصادر النفوذ، وأصبحت مراكز التأثير أكثر تنوعاً مما كانت عليه في السابق. ولم تعد الأحزاب وحدها قادرة على احتكار صناعة القيادات أو التحكم في مساراتها.

لهذا السبب ربما يكتسب اسم فوزي لقجع كل هذا الحضور في النقاش العمومي. فالرجل لا يمثل فقط مسؤولاً حكومياً أو فاعلاً رياضياً، بل أصبح بالنسبة إلى كثيرين رمزاً لنمط جديد من المسؤولين الذين يصنعون نفوذهم من خلال مواقع التدبير والإنجاز أكثر مما يصنعونه من خلال العمل الحزبي التقليدي.

وفي هذا السياق، تبدو تدوينة مصطفى الفن أقرب إلى محاولة لقراءة التحولات التي أصابت العلاقة بين الأحزاب والنخب، حتى وإن جاءت هذه القراءة بلغة سياسية حادة وصدامية. فجوهر النقاش لا يتعلق بمن يستقطب من، بل يتعلق بما إذا كانت الأحزاب المغربية ما تزال قادرة على إقناع المواطنين بأنها فضاءات لإنتاج الأفكار والقيادات، أم أنها أصبحت مجرد ساحات للتنافس على استقطاب شخصيات صنعت مكانتها خارجها.

وفي النهاية، قد لا يكون السؤال الحقيقي هو ما إذا كان فوزي لقجع سيلتحق بحزب معين أو سيبقى بعيداً عن الاصطفافات الحزبية. السؤال الأهم ربما هو: ماذا يكشف الجدل حول اسمه عن الوضع الذي وصلت إليه الأحزاب المغربية؟ وهل أصبحت قوة الحزب تقاس بعدد الشخصيات التي يستقطبها، أم بقدرته على إنتاج مشروع سياسي يجعل الناس يلتفون حول الفكرة قبل أن يلتفوا حول الأشخاص؟

ذلك هو السؤال الذي يبقى معلقاً بعد انتهاء السجال، وهو أيضاً السؤال الذي قد يحدد شكل الحياة السياسية المغربية خلال السنوات المقبلة أكثر مما تحدده أسماء الأفراد أنفسهم.