بعد البرازيل… اسكتلندا أمام الاختبار الأصعب: هل يثبت المغرب أن صعوده إلى نخبة كرة القدم العالمية لم يعد صدفة؟

0
102
صورة: أ.ف.ب

ليست مباراة عادية تلك التي تجمع المنتخب المغربي بنظيره الاسكتلندي في الجولة الثانية من دور مجموعات كأس العالم 2026. فخلف تسعين دقيقة من الصراع الكروي تختبئ رهانات أكبر من مجرد ثلاث نقاط، وتتقاطع فيها طموحات جيل مغربي يسعى إلى تثبيت مكانته بين كبار العالم مع أحلام منتخب اسكتلندي عاد إلى المونديال بعد غياب دام 28 سنة وهو يبحث عن كتابة صفحة جديدة في تاريخه. وبين الحلم المغربي والطموح الاسكتلندي، تتحول مدينة بوسطن الأمريكية إلى مسرح لمواجهة قد ترسم ملامح المجموعة بأكملها.

منذ صافرة نهاية المباراة الأولى أمام البرازيل، لم يعد الحديث داخل الأوساط الرياضية المغربية مقتصرا على نتيجة التعادل. فالصورة التي ظهر بها “أسود الأطلس” أمام أحد أكبر المنتخبات العالمية أعادت إحياء شعور جماعي بأن المنتخب المغربي لم يعد ضيفا عابرا في المواعيد الكبرى، بل أصبح رقما صعبا يفرض الاحترام ويجبر المنافسين على إعادة حساباتهم. هذا الشعور لا ينبع فقط من إنجاز نصف نهائي مونديال 2022، بل من مسار طويل من البناء الرياضي والاستثمار في التكوين والبنيات التحتية، جعل المغرب يتحول من منتخب يبحث عن المفاجأة إلى منتخب تُبنى عليه التوقعات. وقد عكست تقارير دولية أجواء الثقة الكبيرة التي يعيشها الجمهور المغربي في بوسطن، حيث بات التأهل إلى الأدوار المتقدمة مطلبا طبيعيا وليس حلما بعيد المنال.

لكن كرة القدم لا تعترف بالماضي، مهما كان مجيدا. فالمباراة أمام اسكتلندا تضع المنتخب المغربي أمام نوع مختلف من الاختبارات. فإذا كانت مواجهة البرازيل قد فرضت على اللاعبين الانضباط الدفاعي واللعب على المساحات، فإن اللقاء أمام المدرسة البريطانية يفرض أسئلة تكتيكية أخرى تتعلق بالقدرة على صناعة اللعب وفك التكتلات واستثمار الاستحواذ. وهنا تكمن صعوبة المباراة الحقيقية.

فالمنتخب الاسكتلندي لا يدخل المواجهة باعتباره الحلقة الأضعف في المجموعة. على العكس من ذلك، يصل إلى اللقاء منتشيا بفوزه الأول على هايتي، ومدفوعا بإحساس تاريخي بأن التأهل إلى الأدوار الإقصائية أصبح أقرب من أي وقت مضى. ولهذا السبب لا ينظر الاسكتلنديون إلى المغرب كمجرد منافس، بل كعقبة رئيسية في طريق تحقيق إنجاز غير مسبوق. حتى مدرب اسكتلندا ستيف كلارك اعترف علنا بأن المغرب أصبح “قوة حقيقية” في كرة القدم العالمية، وأن المنتخب الحالي ربما يفوق في قوته المنتخب الذي أبهر العالم في قطر.

وتكشف هذه التصريحات حجم التحول الذي عرفته صورة الكرة المغربية خارجيا. فمنذ سنوات قليلة فقط، كانت المنتخبات الأوروبية تدخل مواجهاتها أمام المنتخبات الإفريقية بثقة شبه مطلقة. أما اليوم، فإن الخطاب تغير، وأصبحت مدارس كروية عريقة تتحدث عن المغرب باعتباره منافسا يجب الحذر منه والاستعداد له بعناية. وهذا التحول ليس مجرد تفصيل رياضي، بل مؤشر على تغير أعمق في موازين القوة داخل كرة القدم العالمية.

من الناحية الحسابية، تبدو المباراة مفصلية للطرفين. فالفوز المغربي سيضع المنتخب على أعتاب التأهل قبل الجولة الأخيرة أمام هايتي، ويمنحه هامشا نفسيا مريحا لإدارة بقية المنافسة. أما التعثر فسيعيد الحسابات إلى نقطة الصفر، ويجعل الجولة الثالثة مليئة بالضغوط والاحتمالات. وفي المقابل، يدرك الاسكتلنديون أن تحقيق نتيجة إيجابية قد يفتح لهم أبواب التأهل المبكر ويمنحهم أفضلية كبيرة داخل المجموعة.

غير أن أهمية المباراة لا تقتصر على الحسابات الرقمية. فالمواجهة تضع أيضا مشروعين كرويين مختلفين وجها لوجه. مشروع مغربي يقوم على الاستثمار طويل المدى في الأكاديميات وتكوين اللاعبين والانفتاح على الخبرات العالمية، ومشروع اسكتلندي يحاول استعادة مكانته التاريخية بعد عقود من التراجع والإخفاقات. وبين المشروعين تتجسد واحدة من أهم تحولات كرة القدم الحديثة: لم تعد القوة مرتبطة فقط بتاريخ المنتخبات، بل بقدرتها على التخطيط والاستثمار وصناعة المواهب.

وتبدو المعركة التكتيكية بدورها مثيرة للاهتمام. فالمغرب يمتلك عناصر قادرة على صناعة الفارق بالسرعة والمهارة والتحولات الهجومية، بينما يعتمد المنتخب الاسكتلندي على القوة البدنية والانضباط الجماعي والكرات الثابتة واللعب المباشر. وهذا التناقض في الأساليب يجعل المباراة أقرب إلى مواجهة بين فلسفتين كرويتين أكثر منها مجرد صراع على النقاط.

ومن أبرز الأسئلة التي سترافق اللقاء قدرة المنتخب المغربي على معالجة بعض الثغرات التي ظهرت أمام البرازيل، خاصة في الجهة التي يتحرك منها أشرف حكيمي. فالتقدم المستمر للظهير المغربي يمنح المنتخب قوة هجومية إضافية، لكنه يخلق في الوقت نفسه مساحات قد يستغلها المنافسون عبر المرتدات السريعة. وإدراك اسكتلندا لهذه النقطة قد يجعلها أحد المفاتيح الأساسية في خطتها الهجومية.

وفي المقابل، يملك المغرب ما يكفي من الأدوات لإرباك منافسه. فالضغط العالي الذي أظهر فعاليته أمام البرازيل يمكن أن يتحول إلى سلاح حاسم ضد دفاع اسكتلندي قد يجد صعوبة في الخروج المنظم بالكرة تحت الضغط. كما أن المهارات الفردية للاعبي الوسط والهجوم قد تمنح المنتخب المغربي التفوق في المساحات الضيقة التي غالبا ما تنشأ أمام الفرق المنظمة دفاعيا.

وربما لا تخلو المواجهة من رمزية تاريخية. فآخر لقاء مونديالي جمع المنتخبين يعود إلى كأس العالم 1998 عندما حقق المغرب فوزا تاريخيا بثلاثية نظيفة. غير أن كرة القدم تغيرت كثيرا منذ ذلك التاريخ. المغرب لم يعد ذلك المنتخب الباحث عن الاعتراف، واسكتلندا لم تعد ذلك المنافس التقليدي الذي يعيش على أمجاد الماضي. ولذلك فإن استدعاء التاريخ قد يمنح المباراة بعدا عاطفيا، لكنه لن يحسم شيئا فوق أرضية الملعب.

ومع اقتراب صافرة البداية، يبدو واضحا أن الرهان الحقيقي يتجاوز حدود المجموعة الثالثة. فكل انتصار جديد للمغرب في المونديال يعزز سردية صعود كرة القدم المغربية والإفريقية إلى مستوى جديد من المنافسة العالمية. وكل تعثر يذكر بأن المحافظة على القمة أصعب بكثير من الوصول إليها.

لهذا السبب، فإن مباراة اسكتلندا ليست مجرد محطة في جدول المنافسات، بل اختبار لقدرة المنتخب المغربي على الانتقال من مرحلة صناعة المفاجأة إلى مرحلة ترسيخ الهيمنة والاستمرارية. فالعالم الذي صفق للمغرب في قطر ينتظر اليوم معرفة ما إذا كان ذلك الإنجاز لحظة استثنائية عابرة أم بداية عهد جديد.

ويبقى السؤال الأعمق الذي ستجيب عنه هذه المواجهة: هل أصبح المغرب فعلا قوة كروية عالمية قادرة على فرض حضورها جيلا بعد جيل، أم أن الطريق نحو تثبيت هذا الموقع ما زال يحتاج إلى انتصارات جديدة تكتب في ملاعب مثل بوسطن قبل أن تُكتب في كتب التاريخ؟