إذا كان المحامون غاضبين والحكومة متمسكة بمشروعها… فمن يحمي حق المواطن في العدالة؟

0
85

في لحظة سياسية وقانونية دقيقة، يجد قطاع العدالة في المغرب نفسه أمام توتر متصاعد يعيد طرح سؤال الثقة بين الفاعلين المؤسساتيين والهيئات المهنية، بعد قرار جمعية هيئات المحامين بالمغرب الاستمرار في “التوقف المفتوح” عن تقديم الخدمات، في خطوة تحمل دلالات تتجاوز مجرد احتجاج مهني، لتلامس عمق العلاقة بين السلطة التنفيذية ومهنة تُعد من الأعمدة الأساسية لضمانات العدالة وحقوق المواطنين.

ما يجري اليوم لا يبدو مجرد خلاف تقني حول مشروع قانون تنظيمي، بل هو مواجهة هادئة في ظاهرها، حادة في مضمونها، بين تصورين: تصور حكومي يسعى إلى إعادة هندسة الإطار القانوني للمهنة وفق رؤية تعتبرها الدولة جزءًا من تحديث منظومة العدالة، وتصور مهني يرى في بعض مضامين المشروع مساسًا بجوهر الاستقلالية وبالتوازنات التي استقرّت عبر عقود من الممارسة والتقليد القضائي.

قرار المحامين بالاستمرار في التوقف الشامل لا يمكن فصله عن سياق تراكمات سابقة، حيث يؤكد بلاغ الجمعية أن المرحلة لم تعد تحتمل ما يعتبره “تراجعات عن تفاهمات” تم التوصل إليها مع أطراف حكومية، وهو تعبير يكشف عن شرخ في الثقة أكثر مما يكشف عن مجرد اختلاف في التفاصيل التشريعية. فحين تتحول “التفاهمات” إلى نقطة خلاف، يصبح النقاش القانوني مشبعًا بحمولة سياسية ومؤسساتية ثقيلة.

الأخطر في هذا المسار، كما تعكسه مواقف الهيئة المهنية، هو الإحساس بأن النقاش داخل المؤسسة التشريعية لم يلامس جوهر الإشكال، بل انزاح نحو تفاصيل فرعية، في وقت يرى فيه المحامون أن الأسئلة الحقيقية تتعلق باستقلال المهنة، وحصانتها، وآليات تنظيمها الذاتي. هنا يتبدى الصراع كأنه ليس فقط حول نص قانوني، بل حول من يملك حق تعريف المهنة وحدودها ووظيفتها داخل الدولة.

في خلفية هذا التوتر، يبرز البعد الاجتماعي بشكل واضح، إذ لا يمكن تجاهل أن أي اضطراب في قطاع المحاماة ينعكس بشكل مباشر على المواطنين، سواء من حيث تعطيل مصالحهم القضائية أو إبطاء مسار التقاضي أو خلق حالة من الجمود داخل المحاكم. وهنا تتقدم صورة “المواطن المتضرر الأول” لتفرض نفسها كعنصر صامت لكنه حاضر بقوة في كل تطورات المشهد.

لكن ما يضفي مزيدًا من التعقيد على الوضع هو أن الخطاب المتبادل لم يعد مقتصرًا على النقاش التقني، بل بات مشحونًا بتعبيرات من قبيل “التراجع عن التفاهمات” و”غياب الالتزام”، وهي مفردات تعكس انتقال الأزمة من مستوى إداري إلى مستوى أزمة ثقة سياسية بين الفاعلين. وفي مثل هذه الحالات، يصبح القانون نفسه موضوعًا للتجاذب بدل أن يكون إطارًا للحل.

وفي الوقت الذي يرفع فيه المحامون سقف التعبئة المهنية ويدعون إلى مزيد من التماسك واليقظة، مع إبقاء اجتماعهم مفتوحًا ومواصلة التتبع الميداني للتطورات، يظل السؤال مفتوحًا حول قدرة الأطراف المعنية على إعادة بناء أرضية مشتركة، تعيد للنقاش هدوءه المؤسساتي بعيدًا عن منطق التصعيد المتبادل.

ما يحدث اليوم داخل هذا الملف يعكس، في عمقه، أكثر من مجرد أزمة قطاع مهني؛ إنه اختبار لطبيعة العلاقة بين الإصلاح والثقة، بين التشريع والتوافق، وبين الدولة ومكوناتها المهنية. فهل يمكن لأي إصلاح أن ينجح في ظل شعور أحد أطرافه بأنه لم يعد شريكًا كاملًا في صياغته؟

في النهاية، قد لا يكون السؤال الحقيقي هو: من يربح هذا السجال؟ بل من يملك القدرة على إعادة بناء الثقة قبل أن يتحول الخلاف حول القانون إلى شرخ أعمق في منظومة العدالة نفسها، في بلد يبدو فيه المواطن دائمًا في قلب العاصفة، حتى حين لا يكون طرفًا مباشرًا فيها.