غاضبون من تزكيات الأحرار يُغيّرون الأقمصة قبل الانتخابات.. فمن يُغيّر واقع المواطن؟

0
122

في السياسة كما في كرة القدم، لا يكفي أن يتغير القميص حتى يتغير أسلوب اللعب. فالجمهور الذي يتابع المباريات منذ سنوات يعرف أن بعض اللاعبين ينتقلون من فريق إلى آخر، لكنهم يحملون معهم نفس العادات ونفس الحسابات ونفس الأهداف. وما يحدث اليوم داخل عدد من الأحزاب السياسية المغربية، مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، يعيد إلى الواجهة سؤالاً قديماً يتجدد مع كل محطة انتخابية: هل تتنافس البرامج والمشاريع فعلاً، أم أن الأمر يتعلق فقط بإعادة توزيع المواقع بين نفس الوجوه والنخب التي تنتقل من حزب إلى آخر وفق موازين المصالح والفرص المتاحة؟

المعطيات المتداولة حول حالة التوتر داخل حزب حزب التجمع الوطني للأحرار بعد الإعلان عن لوائح المرشحين، وما يرافقها من حديث عن مغادرة بعض البرلمانيين والأعيان نحو حزب الأصالة والمعاصرة أو أحزاب أخرى، لا تمثل حدثاً استثنائياً في الحياة السياسية المغربية. بل إنها تعكس ظاهرة أصبحت شبه بنيوية في المشهد الحزبي، حيث تتحول فترات ما قبل الانتخابات إلى موسم للهجرة السياسية، تتداخل فيه الحسابات الانتخابية مع المصالح الاقتصادية والشبكات المحلية للنفوذ، أكثر مما تتداخل فيه القناعات الفكرية أو الاختيارات الإيديولوجية.

من الناحية الشكلية، يبدو الأمر وكأنه صراع داخلي حول التزكيات. لكن القراءة المتعمقة تكشف أن التزكية أصبحت بالنسبة لكثير من الفاعلين السياسيين أشبه بتذكرة عبور نحو البرلمان أو الجماعات الترابية أو مواقع التأثير. وعندما تضيق فرص الحصول عليها داخل حزب معين، يصبح الانتقال إلى حزب آخر خياراً متاحاً، بل ومقبولاً سياسياً لدى جزء من الطبقة السياسية. وهنا تبرز المفارقة الكبرى: إذا كانت الأحزاب تمثل مشاريع مجتمعية مختلفة، فكيف يمكن لمرشح أن ينتقل خلال أسابيع قليلة من حزب إلى آخر دون أن يشرح للناخبين كيف تغيرت قناعاته السياسية؟

هذا السؤال لا يهم الأحزاب وحدها، بل يهم جوهر العملية الديمقراطية نفسها. فالديمقراطية لا تُقاس فقط بوجود انتخابات دورية وصناديق اقتراع، وإنما أيضاً بوضوح الاختيارات السياسية أمام المواطن. وعندما يصبح الانتقال الحزبي ظاهرة متكررة، تتآكل الحدود الفاصلة بين البرامج، ويتحول التنافس السياسي في نظر قطاع واسع من المواطنين إلى منافسة على المواقع أكثر منه منافسة على الرؤى والحلول.

وفي الواقع، فإن هذا النوع من التحركات لا يمكن فصله عن التحولات التي عرفها الحقل الحزبي المغربي خلال العقود الأخيرة. فالكثير من الأحزاب أصبحت تعتمد بدرجات متفاوتة على الأعيان ورجال الأعمال والمنتخبين ذوي النفوذ المحلي لضمان النتائج الانتخابية. ومع صعود منطق التدبير الانتخابي على حساب التأطير السياسي والفكري، أصبح وزن الشخص أحياناً أكبر من وزن الحزب نفسه. لذلك لا يثير انتقال بعض المنتخبين من تنظيم إلى آخر صدمة كبيرة داخل الرأي العام، لأن الناخب اعتاد رؤية نفس الأسماء تعود في كل انتخابات تحت ألوان مختلفة.

الأكثر إثارة للانتباه هو أن هذه التحركات تأتي في ظرفية اجتماعية واقتصادية دقيقة. فالمواطن المغربي الذي يواجه تحديات متعلقة بغلاء المعيشة، وفرص الشغل، وجودة الخدمات الصحية والتعليمية، ينتظر من الأحزاب أن تقدم أجوبة عملية على مشكلاته اليومية. لكنه يجد نفسه في كثير من الأحيان أمام نقاشات تدور حول التزكيات والتحالفات والانتقالات الحزبية، وكأن الأولوية ليست للمشاريع التنموية بل لإعادة ترتيب مواقع النفوذ داخل المشهد السياسي.

ومن هنا يتولد الشعور المتزايد لدى فئات واسعة من المجتمع بأن الانتخابات أصبحت بالنسبة لبعض الفاعلين السياسيين غاية في حد ذاتها، وليست وسيلة لخدمة المصلحة العامة. وهو شعور يفسر جزئياً تنامي مظاهر العزوف السياسي وفقدان الثقة في المؤسسات الوسيطة، ليس لأن المواطنين يرفضون الديمقراطية، بل لأنهم يبحثون عن ديمقراطية يشعرون فيها بأن أصواتهم تحدث فرقاً حقيقياً في السياسات العمومية، لا مجرد تغيير أسماء الأحزاب التي ينتمي إليها نفس المرشحين.

إن الحديث المتداول عن توجه بعض رجال الأعمال والمنتخبين نحو أحزاب يعتبرونها أكثر قدرة على حماية المصالح أو توفير فرص الفوز الانتخابي، يفتح أيضاً نقاشاً أوسع حول العلاقة بين المال والسياسة. فكلما تعزز الانطباع بأن بعض التحركات الحزبية تحكمها اعتبارات النفوذ أكثر من اعتبارات المشروع السياسي، تزداد المخاوف من تراجع الثقة في مبدأ تكافؤ الفرص بين الفاعلين السياسيين، ومن تحول الانتخابات إلى مجال لإعادة إنتاج موازين القوى نفسها بدل تجديد النخب وفتح المجال أمام كفاءات جديدة.

المشكلة الحقيقية ليست في انتقال سياسي من حزب إلى آخر، فذلك حق يكفله العمل السياسي والديمقراطي. المشكلة تبدأ عندما يصبح الحزب مجرد وسيلة انتخابية قابلة للاستبدال، وعندما يفقد الناخب القدرة على التمييز بين مشروع وآخر، وبين رؤية وأخرى. عندها يتحول المشهد السياسي إلى ملعب واحد، يتغير فيه لون الأقمصة فقط، بينما يبقى اللاعبون أنفسهم، وتبقى قواعد اللعبة نفسها، وتبقى النتيجة التي ينتظرها المواطن مؤجلة إلى إشعار آخر.

وفي نهاية المطاف، قد لا يكون السؤال الأهم هو: من سيربح الانتخابات المقبلة؟ بل سؤال أكثر عمقاً وإزعاجاً: إذا كان نفس اللاعبون ينتقلون بين نفس الفرق، ونفس المصالح تدور داخل نفس الملعب، فمن الذي سيدافع فعلاً عن حق المواطن في أن يرى مستقبله يتغير، لا مجرد ألوان الأقمصة التي تظهر على شاشات الحملات الانتخابية؟ وهل يمكن بناء ثقة ديمقراطية حقيقية عندما يصبح تغيير الحزب أسهل من تغيير الواقع الذي يعيشه المواطن كل يوم؟