«ليست قضية أمين ناسور فقط.. ماذا تكشف مواجهة حيكر والسينمائيين عن أزمة العلاقة بين السياسة والثقافة في المغرب؟»

0
124

بين المساءلة السياسية والدفاع عن الكفاءة: ماذا تكشف معركة أمين ناسور وعبد الصمد حيكر عن واقع السينما المغربية؟

لم تكن التصريحات التي أطلقها النائب البرلماني عبد الصمد حيكر تحت قبة مجلس النواب مجرد مداخلة عابرة ضمن جلسة الأسئلة الشفهية، بل تحولت بسرعة إلى شرارة نقاش واسع امتد من قاعات البرلمان إلى الأوساط السينمائية والثقافية والإعلامية. وبين من اعتبر ما قاله النائب ممارسة طبيعية لدوره الرقابي في مساءلة السياسات العمومية والتعيينات المرتبطة بتدبير المال العام، ومن رأى في تلك التصريحات استهدافا غير مبرر لكفاءات فنية ومؤسسات مهنية قائمة على ضوابط قانونية، برز سؤال أعمق يتعلق بطبيعة العلاقة بين السياسة والثقافة في المغرب، وحدود النقد المشروع حين يتعلق الأمر بقطاع إبداعي حساس مثل السينما.

المعطيات المتاحة تؤكد أن تعيين أمين ناسور على رأس لجنة دعم إنتاج الأعمال السينمائية تم بشكل رسمي من طرف وزارة الشباب والثقافة والتواصل خلال فبراير 2025، ضمن لجنة تضم عددا من الأعضاء الممثلين لقطاعات ومؤسسات وهيئات مهنية مختلفة، وفق ما أعلنته الوزارة والمركز السينمائي المغربي.

في المقابل، فإن تصريحات عبد الصمد حيكر لم تأت من فراغ، بل جاءت في سياق انتقادات أوسع وجهها للحكومة ووزارة الثقافة حول ما اعتبره وجود تضارب محتمل للمصالح أو تعيينات تستوجب التوضيح السياسي والمؤسساتي. وهو موقف يندرج من حيث المبدأ ضمن الوظيفة الرقابية للبرلمان، بغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف مع مضمونه.

لكن ما جعل الجدل يتجاوز حدود النقاش السياسي العادي هو أن الأمر يتعلق بحقل ثقافي ظل لعقود يعيش على إيقاع حساس بين مطلب الحرية الإبداعية من جهة، ومطلب الحكامة والشفافية في تدبير الدعم العمومي من جهة ثانية. فالسينما ليست مجرد فن أو صناعة ترفيهية، بل هي مجال تتقاطع داخله الثقافة والاقتصاد والهوية الوطنية والدبلوماسية الناعمة وصورة المغرب في الخارج.

ومن هنا يبرز جوهر الإشكال الحقيقي: هل يدور النقاش حول شخص أمين ناسور نفسه، أم حول فلسفة تدبير الدعم السينمائي برمتها؟

المتابع لمسار أمين ناسور يجد أنه راكم حضورا معتبرا داخل المشهد الثقافي المغربي، خاصة في المجال المسرحي، حيث ارتبط اسمه بعدد من الأعمال والتجارب التي حصدت حضورا وطنيا ودوليا. كما أن اختياره لرئاسة لجنة الدعم لم يأت باعتباره موظفا إداريا أو فاعلا سياسيا، بل باعتباره شخصية تنتمي إلى الوسط الفني والثقافي الذي يفترض أنه الأقدر على تقييم المشاريع الإبداعية من الداخل.

غير أن المدافعين عن حق البرلمان في المساءلة يطرحون بدورهم سؤالا لا يقل مشروعية: هل يكفي النجاح الفني وحده لضمان الثقة في تدبير آليات الدعم العمومي؟ وهل يمكن فصل النقاش حول الكفاءة الفنية عن النقاش المتعلق بالحكامة والشفافية وتدبير الموارد؟

في التجارب السينمائية العالمية الكبرى، من فرنسا إلى كندا وإسبانيا، لا يخلو تدبير صناديق الدعم الثقافي من جدل دائم حول معايير الاختيار وتوزيع الموارد وتضارب المصالح المحتمل. لذلك فإن مجرد طرح الأسئلة حول الدعم لا ينبغي أن يُعتبر اعتداء على الفن، كما أن تحويل كل مساءلة إلى اتهام مجاني للفنانين قد يؤدي بدوره إلى إضعاف الثقة في المؤسسات الثقافية.

اللافت في هذه القضية أن أغلب ردود الفعل الصادرة من الفاعلين المهنيين لم تركز فقط على الدفاع عن أمين ناسور كشخص، بل ذهبت أبعد من ذلك إلى الدفاع عن شرعية المؤسسات المهنية وآليات اشتغال لجنة الدعم نفسها. فعدد من رؤساء الغرف المهنية والهيئات السينمائية اعتبروا أن أعضاء اللجنة يتم اختيارهم وفق مساطر قانونية ومؤسساتية، وأن تقييم أدائهم يجب أن يتم من خلال النتائج والقرارات والمعايير المعتمدة، وليس عبر الانطباعات أو المواقف المسبقة.

وهنا تظهر مفارقة مهمة داخل المشهد الثقافي المغربي. فمن جهة، يطالب المهنيون باستقلالية القرار الثقافي عن التجاذبات السياسية والحزبية. ومن جهة أخرى، تبقى السينما مجالا يستفيد من المال العمومي، ما يجعلها بطبيعتها خاضعة للنقاش العمومي ولحق المواطنين وممثليهم في معرفة كيفية صرف هذه الموارد.

هذه المعادلة المعقدة تكشف أن جوهر الخلاف لا يتعلق في الحقيقة بأمين ناسور وحده ولا بعبد الصمد حيكر وحده، بل بالصعوبة المستمرة في بناء توازن صحي بين الاستقلالية الثقافية والمحاسبة الديمقراطية.

فإذا تحولت المساءلة البرلمانية إلى أحكام مسبقة دون أدلة ومعطيات دقيقة فإنها تضر بالمؤسسات وبالأشخاص. وإذا تحول الدفاع عن المؤسسات إلى رفض لأي نقاش أو مساءلة بدعوى حماية الثقافة، فإن ذلك يضعف بدوره مبدأ الشفافية الذي تحتاجه كل السياسات العمومية.

السينما المغربية اليوم تعيش بالفعل مرحلة مهمة من التطور، سواء من حيث الحضور الدولي أو حجم الإنتاج أو الإصلاحات القانونية التي يشهدها القطاع، بما في ذلك القوانين الجديدة المتعلقة بتنظيم الصناعة السينمائية وإعادة هيكلة المركز السينمائي المغربي.

غير أن التحدي الأكبر لا يكمن فقط في إنتاج أفلام أكثر أو الفوز بجوائز إضافية، بل في بناء ثقة مستدامة بين الدولة والمهنيين والمجتمع. فالثقة لا تُبنى بالشعارات، بل بالمعايير الواضحة والشفافية والقدرة على الإجابة عن الأسئلة المشروعة مهما كانت محرجة.

في النهاية، قد يهدأ الجدل حول أمين ناسور أو عبد الصمد حيكر بعد أيام أو أسابيع، لكن السؤال الذي سيظل مطروحا هو: كيف يمكن للمغرب أن يحمي استقلالية الإبداع من التسييس، وفي الوقت نفسه يحمي المال العام من أي شبهة أو غموض؟

ذلك هو السؤال الحقيقي الذي يتجاوز الأشخاص والأسماء والمواقع، لأنه يتعلق بمستقبل الثقافة المغربية نفسها، وبقدرتها على أن تكون فضاء للحرية والإبداع من جهة، ونموذجا للحكامة والثقة العمومية من جهة أخرى.