“كراطات أوزين” تضرب مونديال أمريكا 2026.. فهل يحصل الوزير السابق أخيراً على البراءة من حكم الصورة؟

0
128

ليس كل من خسر منصباً خسر الحقيقة، وليس كل من كسب معركة إعلامية كسب حكم التاريخ. فبعد أكثر من عشر سنوات، لا يزال محمد أوزين يحمل على كتفيه وزر صورة ربما كانت أقوى من الوقائع نفسها. صورة صنعت لقباً، واللقب صنع حكماً، والحكم رافق الرجل أينما حل وارتحل. وبينما تتعثر الملاعب وتتعطل المباريات في دول تُصنف بين الأقوى والأغنى في العالم، يحق للمتابع أن يتساءل: هل كان أوزين مسؤولاً عن كل ما نُسب إليه فعلاً، أم أن ذاكرة الجمهور احتفظت بالصورة ونسيت باقي القصة؟ وحده الزمن كفيل بالإجابة، لأن التاريخ كثيراً ما يعيد فتح الملفات التي اعتقد الجميع أنها أُغلقت إلى الأبد.

هل آن الأوان لإعادة قراءة ملف “الكراطة” بعيداً عن الانطباعات والصور التي صنعت الرأي العام؟

فما حدث خلال كأس العالم 2026 بالولايات المتحدة أعاد إلى الواجهة سؤالاً ظل مطروحاً منذ أكثر من عقد: هل كان تحميل وزير الشباب والرياضة الأسبق محمد أوزين كامل مسؤولية ما وقع بملعب الأمير مولاي عبد الله سنة 2014 منصفاً، أم أن القضية كانت أكثر تعقيداً من الصورة التي اختزلتها وسائل الإعلام آنذاك؟

ففي الولايات المتحدة، التي تُعد من أقوى الاقتصادات العالمية وتمتلك بنية رياضية ورياضية احترافية متقدمة، شهدت مباراة فرنسا والعراق اضطرابات بسبب الأحوال الجوية، كما ظهر النجم كيليان مبابي وهو يتابع عملية معالجة أرضية الملعب بعد التساقطات المطرية الغزيرة. هذا المشهد أعاد إلى الأذهان صور الرباط سنة 2014، لكنه أبرز في الآن نفسه أن الطبيعة لا تعترف بحدود التنمية ولا بمؤشرات القوة الاقتصادية، وأن الملاعب الأكثر تطوراً في العالم ليست بمنأى عن آثار المناخ وتقلباته.

غير أن المقارنة بين الحالتين لا تكفي وحدها للحكم على الماضي أو إعادة كتابة الوقائع. فإعادة النظر في أي ملف عمومي تستوجب العودة إلى الوثائق والتقارير الرسمية ونتائج التحقيقات التي أُنجزت آنذاك، بعيداً عن الانفعالات والاختزالات التي غالباً ما ترافق الأحداث الكبرى.

ومن هنا يبرز سؤال مشروع للنقاش العمومي: إذا كانت السنوات اللاحقة قد أظهرت أن حتى أكبر الدول وأكثرها تقدماً ليست محصنة ضد الاضطرابات المناخية التي قد تربك سير المنافسات الرياضية، فهل يستحق ملف محمد أوزين قراءة جديدة تميز بين المسؤولية السياسية والمسؤولية التقنية والإدارية؟ وهل تم التدقيق بما يكفي في أدوار مختلف المتدخلين الذين كانوا مسؤولين عن تدبير المنشأة الرياضية وصيانتها وتجهيزها؟

أما مسألة رد الاعتبار، فهي لا ترتبط بالعاطفة أو الحنين إلى الماضي، بل بمدى قدرة التاريخ على مراجعة أحكامه كلما ظهرت معطيات جديدة أو تبدلت زوايا النظر. فالتاريخ السياسي لا يُختزل في صورة، ولا يُختصر في لقب، مهما كان تأثيره قوياً في الوعي الجماعي.

وقد يكون السؤال الأعمق هو: هل حُكم على محمد أوزين من خلال حادثة تحولت إلى رمز إعلامي ساخر، أم أن الرأي العام اطلع فعلاً على كل المعطيات التي تحدد المسؤوليات الحقيقية في تلك الواقعة؟

إنه سؤال لا يبحث عن تبرئة أحد ولا عن إدانة أحد، بقدر ما يدعو إلى إعادة التفكير في العلاقة بين الصورة والحقيقة، وبين الانطباع والحكم، وبين ما يخلده الإعلام وما قد يكشفه التاريخ لاحقاً. فكم من شخص أدانته صورة واحدة، وكم من ملف أعيدت قراءته بعد سنوات بمنظار مختلف.

ولعل ما جرى في ملاعب كأس العالم 2026 يذكرنا بحقيقة بسيطة: أن الأحداث قد تتشابه، لكن الأحكام التي نصدرها بشأنها ليست دائماً بالقدر نفسه من الإنصاف.