عبد الله الداودي يشعل منصة سلا… ليلة تؤكد أن الأغنية الشعبية المغربية ما زالت تتربع على عرش الجماهير في موازين

0
146

في مهرجان اعتاد أن يجمع نجوم العالم تحت سماء الرباط وسلا، كانت الأغنية الشعبية المغربية على موعد مع ليلة أثبتت أن بريقها لا يخفت، وأن جمهورها لا يزال وفيًا لها مهما تغيرت الأذواق وتعددت الأنماط الموسيقية. فمن على منصة سلا، نجح الفنان عبد الله الداودي في تحويل إحدى أمسيات الدورة الحادية والعشرين من مهرجان موازين – إيقاعات العالم إلى عرس فني نابض بالحياة، عنوانه التفاعل الجماهيري والاحتفاء بالهوية الموسيقية المغربية.

منذ اللحظة التي اعتلى فيها خشبة المسرح، لم يكن الداودي مجرد فنان يؤدي أغانيه، بل بدا كقائد أوركسترا يقود آلاف الحاضرين في رحلة بين الذكريات والإيقاعات الشعبية التي صنعت جزءًا من الوجدان المغربي. فالهتافات ارتفعت، والأصوات امتزجت بكلمات الأغاني، وتحولت منصة سلا إلى فضاء مفتوح يحتفل بالموسيقى والفرح، في مشهد يعكس العلاقة الخاصة التي نسجها الفنان مع جمهوره على امتداد سنوات طويلة.

ولم يعتمد الداودي فقط على رصيده الغنائي المعروف، بل قدم عرضًا متكاملاً جمع بين الأداء الحي، والحضور المسرحي، والتواصل المباشر مع الجمهور، وهو ما منح السهرة طابعًا احتفاليًا تجاوز حدود الحفل الموسيقي التقليدي. فقد كان واضحًا أن الفنان يدرك جيدًا أن نجاح السهرة لا يقاس بعدد الأغاني التي يؤديها، بل بقدرته على إشراك الجمهور في صناعة اللحظة الفنية، وهو ما تحقق بالفعل طوال فقرات الحفل.

اللافت في هذه الأمسية أن الجمهور لم يكن من فئة عمرية واحدة، بل ضمت الساحة عشاق الأغنية الشعبية من مختلف الأجيال. فهناك من جاء ليستعيد ذكريات ارتبطت بأغاني الداودي التي رافقت مناسبات وأفراحًا مغربية عديدة، وهناك شباب وجدوا في إيقاعاته امتدادًا لهوية موسيقية ما تزال قادرة على منافسة الأنماط الحديثة. وهكذا نجحت السهرة في كسر الحواجز بين الماضي والحاضر، مؤكدة أن الأغنية الشعبية ليست مجرد تراث يُستعاد، بل فن حي يتجدد مع الزمن.

كما حملت مشاركة عبد الله الداودي رسالة فنية تتجاوز حدود الحفل نفسه، مفادها أن الأغنية المغربية، بكل تنوعها، ما تزال قادرة على حشد الجماهير داخل أكبر المهرجانات الدولية. ففي زمن تتسابق فيه المنصات على استضافة نجوم الموسيقى العالمية، أثبت الفنان المغربي أن حضوره لا يقل بريقًا، وأن الجمهور المحلي يمنح أبناء بلده المكانة نفسها التي يمنحها للنجوم القادمين من الخارج عندما يجد أمامه فنًا صادقًا وأداءً يلامس وجدانه.

ولم يكن الحضور الجماهيري اللافت مجرد رقم يضاف إلى سجلات المهرجان، بل شكل مؤشرًا على استمرار الشعبية الواسعة التي يحظى بها عبد الله الداودي داخل المشهد الفني المغربي، كما أكد في الوقت ذاته قدرة مهرجان موازين على خلق توازن بين الانفتاح على الموسيقى العالمية، والاحتفاء بالإبداع المغربي الذي يشكل أحد أهم أعمدة هويته الثقافية.

لقد كانت سهرة منصة سلا أكثر من حفل غنائي؛ كانت احتفالًا بالأغنية الشعبية المغربية، وبالفنان الذي استطاع أن يحافظ على حضوره في ذاكرة الجمهور، وأن يجدد علاقته به عامًا بعد آخر. وبهذا العرض، وقع عبد الله الداودي على واحدة من أبرز محطات الدورة الحادية والعشرين لمهرجان موازين، مؤكداً أن الفن الذي يولد من نبض الناس يظل قادرًا على ملء الساحات، وإشعال المسارح، وصناعة لحظات لا تُنسى.