فيلدرز يشهر البطاقة الحمراء في وجه المغاربة… عندما تتحول الكراهية إلى برنامج انتخابي دائم

0
105

فيلدرز يحوّل مواجهة المغرب وهولندا إلى منصة انتخابية… فهل أصبحت كرة القدم آخر ساحات اليمين المتطرف لاستهداف الجالية المغربية؟

لم يكن إعلان مواجهة المنتخبين المغربي والهولندي في الدور الإقصائي من كأس العالم 2026 حدثاً رياضياً عادياً داخل هولندا، بل تحول بسرعة إلى مناسبة سياسية استغلها زعيم اليمين المتطرف خيرت فيلدرز لإعادة إنتاج خطابه المعادي للمغاربة. وبينما كان ملايين المشجعين ينتظرون مباراة تحمل أبعاداً رياضية وتاريخية، اختار فيلدرز أن يضع نفسه في قلب المشهد عبر صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي يظهر فيها مرتدياً زي حكم يشهر بطاقة حمراء في وجه لاعب مغربي، مرفقة بعبارة هولندية تعني: “سيكون كل شيء على ما يرام”. وقد أثارت الصورة موجة واسعة من الانتقادات باعتبارها استمراراً لنهج يستثمر الرياضة لإرسال رسائل سياسية موجهة إلى قاعدته الانتخابية.

لكن قراءة هذا الحدث باعتباره مجرد منشور استفزازي على منصة “إكس” ستكون قراءة ناقصة. فالقضية أعمق بكثير من صورة أو تعليق، لأنها تكشف كيف تحولت كرة القدم في أوروبا، خصوصاً عندما يكون المغرب طرفاً فيها، إلى مساحة تستدعي أسئلة الهوية والهجرة والاندماج والانتماء أكثر مما تستدعي الحديث عن التكتيك أو النتائج.

الجالية المغربية في هولندا، التي يزيد حضورها عن نصف قرن، لم تعد مجرد جالية مهاجرة تبحث عن الاعتراف، بل أصبحت جزءاً من البنية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية للبلاد. آلاف الأطباء والمهندسين ورجال الأعمال والباحثين والرياضيين من أصول مغربية يساهمون يومياً في الاقتصاد الهولندي، فيما يحمل جيل كامل الجنسية الهولندية ويعتبر هولندا وطنه الذي ولد فيه. غير أن الخطاب الشعبوي لا ينظر إلى هؤلاء باعتبارهم مواطنين، بل باعتبارهم مادة انتخابية تُستدعى كلما احتاج اليمين المتطرف إلى تعبئة أنصاره.

ولهذا لم يكن اختيار مباراة المغرب وهولندا صدفة. فهذه المواجهة الرياضية تلامس واحدة من أكثر القضايا حساسية داخل المجتمع الهولندي، حيث يعيش مئات الآلاف من المواطنين ذوي الأصول المغربية الذين يجد كثير منهم أنفسهم أمام انتماءين ثقافيين لا يتناقضان بالضرورة، لكن الخطاب الشعبوي يحاول دائماً تقديمهما باعتبارهما ولاءين متصارعين.

وليس هذا السلوك جديداً بالنسبة لفيلدرز. فقبل أيام فقط، استغل صورة لاعبي المنتخب المغربي وهم يسجدون شكراً بعد تسجيل هدف لينشر عبارة مسيئة للإسلام، ما أثار انتقادات واسعة داخل هولندا وخارجها، واعتبره كثيرون استمراراً لاستراتيجية قائمة على ربط أي حضور مغربي أو إسلامي بالاستفزاز السياسي.

المثير في هذه الوقائع أن المنتخب المغربي لم يعد مجرد فريق يمثل دولة إفريقية أو عربية، بل أصبح بالنسبة إلى قطاعات واسعة من أبناء الجاليات المغربية في أوروبا رمزاً للنجاح والاعتراف والانتماء. ومنذ الإنجاز التاريخي في مونديال قطر 2022، أصبح كل انتصار للمنتخب المغربي يحمل بعداً نفسياً يتجاوز الرياضة، لأنه يمنح أجيالاً كاملة من أبناء المهاجرين شعوراً بالفخر بجذورهم دون أن ينفي انتماءهم إلى البلدان التي يعيشون فيها.

وهنا تحديداً يظهر القلق الذي تستثمره الأحزاب الشعبوية. فكلما ازدادت رمزية المنتخب المغربي داخل الجاليات، ازدادت محاولات تحويل هذا النجاح إلى مادة للصراع السياسي. فالرسالة التي يريد الخطاب المتطرف إيصالها ليست موجهة إلى اللاعبين، بل إلى المواطن المغربي الهولندي، وكأنها تقول له إن نجاحه الرياضي أو الثقافي أو الاجتماعي لن يعفيه من أن يبقى موضوعاً للشك والتمييز.

ومن الناحية السياسية، يدرك فيلدرز أن قضايا الهجرة والإسلام والمغاربة كانت طوال سنوات أحد أهم محركات شعبيته الانتخابية. لذلك لا يحتاج دائماً إلى أزمات حقيقية؛ ففي أحيان كثيرة تكفي مباراة كرة قدم أو صورة احتفال أو سجدة شكر حتى يعيد تنشيط الخطاب الذي بنى عليه مسيرته السياسية. ويلاحظ باحثون في الشعبوية أن مثل هذه الاستراتيجيات تعتمد على صناعة الاستقطاب أكثر من تقديم حلول واقعية، لأنها تبقي النقاش العام أسيراً لقضايا الهوية بدل الملفات الاقتصادية والاجتماعية الأكثر تعقيداً.

غير أن الصورة داخل المجتمع الهولندي ليست أحادية كما يحاول الخطاب المتطرف تصويرها. فقد جاءت ردود فعل عديدة من سياسيين وإعلاميين ومواطنين هولنديين رافضة لاستغلال الرياضة في تأجيج الكراهية، معتبرة أن المنافسة الكروية يجب أن تبقى مناسبة للاحتفال بالتنوع لا لإعادة إنتاج الانقسامات. كما أظهرت تفاعلات واسعة على المنصات الرقمية رفضاً لمحاولات تحويل مباراة كرة القدم إلى معركة هوية بين الهولنديين والمغاربة.

أما بالنسبة للجالية المغربية، فإن التحدي لا يكمن فقط في الرد على الاستفزازات، بل في عدم السماح لها بأن تحدد طبيعة النقاش. فكل انجرار إلى خطاب الكراهية يمنح الشعبويين ما يبحثون عنه: مزيداً من الاستقطاب ومزيداً من الظهور الإعلامي. ولهذا يصبح الالتزام بالقانون، وإظهار قيم المواطنة، وتحويل المباريات إلى مناسبات للاحتفال المشترك، أكثر تأثيراً من أي مواجهة لفظية على منصات التواصل.

وفي العمق، تكشف هذه القضية تحولاً لافتاً في السياسة الأوروبية. فحين يصبح هدف سياسي بارز هو استثمار مباراة في كأس العالم لإرسال رسائل ضد شريحة من مواطني بلاده أو المقيمين فيها، فإن السؤال لم يعد يتعلق بالمغرب أو بكرة القدم، بل بمستقبل الديمقراطيات الأوروبية نفسها. هل تستطيع هذه الديمقراطيات حماية التعددية عندما تتحول الرياضة إلى منصة انتخابية؟ وهل يبقى الملعب فضاءً للتنافس الشريف، أم يصبح امتداداً لحملات تستثمر الخوف من الآخر؟

لعل السؤال الأهم في النهاية ليس ما إذا كان المغرب سيفوز على هولندا أو العكس، بل ما إذا كانت أوروبا ستنجح في حماية فكرة المواطنة المتساوية من خطاب يرى في كل نجاح يحققه أبناء الهجرة تهديداً سياسياً، وفي كل مباراة كرة قدم فرصة جديدة لإعادة رسم الحدود بين “نحن” و”هم”. فحين تصل السياسة إلى حد إشهار البطاقة الحمراء في وجه هوية كاملة، يصبح الخاسر الحقيقي ليس المنتخب الذي يغادر البطولة، بل المجتمع الذي يسمح للكراهية بأن تنافس الرياضة على أرض الملعب.