لم تكن الأحكام التي أصدرتها غرفة الجنايات بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء في قضية «إسكوبار الصحراء» مجرد نهاية فصل قضائي طويل استغرق أكثر من عامين من الجلسات والمرافعات، بل تحولت إلى لحظة سياسية ومؤسساتية دفعت الرأي العام المغربي إلى طرح أسئلة أكبر بكثير من أسماء المتهمين أو عدد سنوات السجن أو قيمة الغرامات. فقد انتهت المحكمة الابتدائية إلى إصدار أحكام سالبة للحرية في حق عدد من المتابعين، مع مصادرة أصول وفرض تعويضات وغرامات مالية ضخمة، بينما تبقى هذه الأحكام قابلة للطعن وفق درجات التقاضي التي يكفلها القانون المغربي، وهو ما يجعل قرينة البراءة قائمة إلى حين استنفاد المساطر القضائية النهائية.
غير أن القضية، في عمقها، لا تبدو مجرد ملف يتعلق بالاتجار الدولي في المخدرات أو غسل الأموال أو التزوير أو الاتجار بالنفوذ، بقدر ما تكشف عن سؤال أكثر تعقيدًا: كيف يستطيع المال غير المشروع ـ إذا ثبتت الاتهامات ـ أن يقترب من السياسة والرياضة والإدارة والاقتصاد في الوقت نفسه؟ وكيف يمكن لشخص واحد أو شبكة محدودة أن تتحول، خلال سنوات قليلة، إلى مركز ثقل داخل فضاءات يفترض أنها مستقلة عن بعضها البعض؟
هذه هي الفكرة الجوهرية التي حاول الصحفي توفيق بوعشرين إثارتها في تفريغه، لكنها تحتاج إلى قراءة أوسع من حدود الملف القضائي نفسه. لأن القضية ليست فقط ما إذا كان هذا المتهم أو ذاك قد ارتكب الأفعال المنسوبة إليه، فذلك اختصاص القضاء وحده، وإنما ما الذي تكشفه هذه القضية عن طريقة تشكل النفوذ داخل المجتمع المغربي، وعن العلاقة التي قد تنشأ بين الثروة والوجاهة والسلطة عندما تضعف آليات الفرز والرقابة.
في علم السياسة، لا يبدأ الحديث عن الجريمة المنظمة عندما ترتكب جريمة واحدة، وإنما عندما تصبح الأموال غير المشروعة قادرة على شراء النفوذ، أو التأثير في القرار، أو بناء شبكات حماية تجعل القانون أقل قدرة على الوصول إلى الجميع بالسرعة نفسها. ولهذا السبب لم تنظر دول مثل إيطاليا إلى المافيا باعتبارها مجرد عصابات تبيع المخدرات، بل باعتبارها منافسًا للدولة في احتكار النفوذ والسلطة. وكان القاضي الإيطالي جيوفاني فالكوني، الذي اغتالته المافيا سنة 1992، يردد أن الطريق الحقيقي إلى تفكيك الشبكات الإجرامية يبدأ بتتبع حركة الأموال، لأن المال هو الذي يقود في النهاية إلى العلاقات، ثم إلى النفوذ، ثم إلى مراكز القرار.
هذا المنطق هو الذي يجعل قضية «إسكوبار الصحراء» تتجاوز الإثارة الإعلامية التي صاحبتها. فوجود شخصيات معروفة في السياسة أو الرياضة أو عالم الأعمال ضمن هذا الملف لا يعني، قانونيًا، تعميم الاتهام على المؤسسات التي انتمت إليها، لكنه يفرض نقاشًا مختلفًا حول كيفية صناعة النخب داخل المجتمع، وحول معايير اختيار من يمثل المواطنين أو يدير مؤسساتهم أو يقود هيئاتهم الرياضية.
لقد أظهرت وقائع الملف، كما عُرضت أمام القضاء، أن القضية لم تعد تتعلق فقط بمسار جنائي، بل تحولت إلى قضية رأي عام استقطبت اهتمامًا وطنيًا ودوليًا، بالنظر إلى طبيعة الأشخاص المتابعين، وحجم الاتهامات، وطول أمد المحاكمة التي امتدت لأكثر من ثمانين جلسة قبل صدور الأحكام الابتدائية.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: لماذا يثير وجود منتخبين أو مسؤولين سابقين أو رؤساء أندية رياضية داخل ملفات جنائية هذا القدر من الصدمة المجتمعية؟
الجواب لا يرتبط بالأشخاص وحدهم، بل بالصورة الرمزية التي يمثلونها. فالمنتخب لا يمثل نفسه فقط، وإنما يمثل ثقة ناخبين. ورئيس النادي الرياضي لا يدير مؤسسة اقتصادية فحسب، بل يقود رمزًا جماهيريًا يؤثر في ملايين المشجعين. ورجل الأعمال لا يتحرك داخل السوق وحدها، بل داخل منظومة من الصفقات والاستثمارات والقرارات العمومية. ولذلك، عندما تتقاطع هذه العوالم داخل ملف قضائي واحد، يصبح النقاش تلقائيًا نقاشًا حول مناعة المؤسسات، وليس فقط حول المسؤولية الجنائية للأفراد.
وهنا يبدأ البعد الأخطر في القضية. فالدول لا تُقاس فقط بعدد القوانين التي تملكها، وإنما بقدرتها على منع تشكل شبكات موازية للنفوذ. فكلما احتاج المواطن إلى وسيط لإنجاز حق قانوني، وكلما أصبح الوصول إلى الإدارة يمر عبر العلاقات أكثر مما يمر عبر القانون، فإن البيئة تصبح أكثر قابلية لظهور اقتصاد الوساطة، ثم اقتصاد النفوذ، ثم شبكات المصالح التي تتبادل الخدمات خارج المؤسسات.
ولهذا فإن الدرس الحقيقي الذي يطرحه هذا الملف لا يتعلق فقط بتشديد العقوبات على جرائم المخدرات، بل يتعلق أيضًا بإصلاح بيئة إنتاج النفوذ نفسها: الأحزاب، والإدارة، والصفقات العمومية، وآليات الحكامة، والرقمنة، والشفافية، وربط المسؤولية بالمحاسبة.
فالمال الأسود لا يبدأ خطيرًا عندما يُجمع، بل عندما يتحول إلى رأس مال سياسي، أو إلى نفوذ اجتماعي، أو إلى قدرة على التأثير في القرار العمومي. وعند تلك اللحظة فقط، لا تصبح القضية قضية مخدرات، وإنما قضية دولة تسعى إلى حماية مؤسساتها من الاختراق، وإعادة رسم الحدود الفاصلة بين الثروة والسلطة، وبين الخدمة العمومية والمصلحة الخاصة.