وهبي: إلغاء “الساعة الإضافية” رجوع إلى الصواب… لكن لماذا انتظرت الحكومة خمس سنوات للوصول إليه؟

0
105

من المفارقات السياسية التي تستحق التوقف عندها أن الحكومة التي تدافع اليوم عن قرار إلغاء الساعة الإضافية وتصفه بأنه “رجوع إلى العقل والصواب”، هي نفسها الحكومة التي قضت خمس سنوات كاملة وهي تدبر شؤون البلاد تحت التوقيت الذي يعترف بعض وزرائها اليوم ضمنيا بأنه لم يكن الخيار الأنسب للمواطنين. وهنا لا يطرح السؤال حول القرار في حد ذاته، لأن قطاعا واسعا من المغاربة استقبلوا خبر العودة إلى توقيت غرينيتش بارتياح كبير، وإنما يطرح حول الزمن السياسي الذي احتاجته السلطة التنفيذية كي تصل إلى ما كان يطالب به المواطنون منذ سنوات طويلة. فهل احتاج المغاربة فعلا إلى نصف عقد من الزمن حتى تقتنع الحكومة بوجود مشكلة؟ أم أن المشكلة لم تكن في غياب القناعة بل في غياب الإرادة السياسية لاتخاذ القرار في توقيته المناسب؟

عندما خرج وزير العدل عبد اللطيف وهبي ليؤكد أن إلغاء الساعة الإضافية “رجوع إلى الصواب بعيدا عن الحسابات الانتخابية”، بدا وكأنه يفتح بابا أكبر من ملف التوقيت نفسه. لأن السياسة لا تقاس فقط بصواب القرار أو خطئه، بل كذلك بتوقيت اتخاذه. وإذا كان القرار صائبا اليوم، فإن السؤال الطبيعي الذي يفرض نفسه هو: لماذا لم يكن صائبا قبل خمس سنوات عندما بدأت هذه الولاية الحكومية؟ ولماذا انتظرت الحكومة حتى الأشهر الأخيرة من عمرها السياسي لتعلن استجابة لمطلب ظل حاضرا في النقاش العمومي منذ سنوات؟

لقد تحولت الساعة الإضافية في المغرب منذ اعتمادها بشكل شبه دائم سنة 2018 إلى واحدة من أكثر القضايا اليومية إثارة للجدل. لم تكن مجرد ستين دقيقة تضاف إلى عقارب الساعة، بل أصبحت جزءا من نقاش أوسع يتعلق بعلاقة القرار العمومي بحياة المواطنين. أسر تشتكي من خروج أبنائها إلى المدارس في الظلام خلال فصل الشتاء، وأولياء أمور يتحدثون عن اضطراب الإيقاع البيولوجي للأطفال، وموظفون وعمال يجدون أنفسهم أمام يوم يبدأ قبل شروق الشمس. وعلى امتداد سنوات، لم يتوقف الجدل الشعبي ولا البرلماني حول الموضوع، بينما كانت الحكومات المتعاقبة تدافع عن مبررات اقتصادية مرتبطة بالتعامل مع الشركاء الأوروبيين وترشيد بعض التكاليف المرتبطة بالطاقة.

لكن ما يثير الانتباه في تصريحات وهبي ليس فقط دفاعه عن القرار، بل اعترافه بأن الملف ظل مطروحا للنقاش داخل الأغلبية والحكومة طوال السنوات الثلاث الماضية. هذا الاعتراف يحمل في طياته دلالة سياسية مهمة؛ فإذا كانت النقاشات مستمرة منذ سنوات، وإذا كانت الدراسات متوفرة، وإذا كانت مكونات الأغلبية تتداول الموضوع باستمرار، فما الذي كان يمنع الحسم؟ وهل كانت مصلحة المواطنين تحتاج فعلا إلى كل هذا الزمن من التداول؟ أم أن القرار كان ضحية حسابات أخرى مرتبطة بتوازنات السلطة وبصعوبة التراجع عن اختيارات سابقة؟

في الديمقراطيات الحديثة، لا يعتبر التراجع عن قرار سابق علامة ضعف، بل قد يكون دليلا على حيوية المؤسسات وقدرتها على تصحيح الأخطاء. غير أن قيمة التصحيح ترتبط بسرعة الاستجابة. فكلما طال الزمن بين ظهور المشكلة واتخاذ القرار، تحول التصحيح نفسه إلى موضوع للنقاش والمساءلة. لذلك فإن النقاش الحقيقي اليوم لا يتعلق فقط بإلغاء الساعة الإضافية، بل يتعلق بمنهجية صناعة القرار العمومي في المغرب. هل نحتاج دائما إلى سنوات طويلة حتى يتم الاعتراف بأن المواطنين كانوا محقين؟ وهل تتحرك المؤسسات بناء على مؤشرات علمية واستباقية أم بعد تراكم الضغط الاجتماعي والسياسي؟

اللافت أيضا أن الحكومة تصر على نفي أي ارتباط بين القرار والسياق الانتخابي. غير أن الرأي العام بطبيعته لا يحاكم النوايا، بل يقرأ الوقائع. والوقائع تقول إن القرار جاء في مرحلة تقترب فيها البلاد من استحقاقات انتخابية جديدة، وبعد سنوات من الانتقادات الشعبية المتواصلة. لهذا فإن السؤال الذي سيظل مطروحا ليس ما إذا كانت هناك حسابات انتخابية أم لا، بل لماذا لم يتم اتخاذ القرار عندما كانت للحكومة كامل الولاية الزمنية لتطبيقه وتقييم نتائجه؟

ومن زاوية أعمق، يكشف هذا الملف عن إشكالية مزمنة في العلاقة بين الدولة والمجتمع. فالمواطن لا يطالب فقط بقرارات صحيحة، بل يطالب أيضا بأن يُستمع إليه في الوقت المناسب. عندما يشعر الناس أن صوتهم لا يُسمع إلا بعد سنوات من الجدل، فإن الثقة في المؤسسات تتأثر مهما كانت جودة القرار النهائي. لذلك فإن قيمة قرار العودة إلى غرينيتش لا تكمن فقط في أثره على ساعات النوم أو أوقات الدراسة والعمل، بل في الرسالة السياسية التي يبعثها حول قدرة الدولة على مراجعة اختياراتها والاستجابة لنبض المجتمع.

ويبقى السؤال الأكبر الذي يتجاوز ملف الساعة الإضافية نفسه: إذا كانت الحكومة اليوم تعترف ضمنيا بأن العودة إلى غرينيتش هي “جادة العقل والصواب”، فهل المطلوب من المغاربة أن يحتفلوا فقط بالقرار، أم أن من حقهم أيضا أن يسألوا لماذا احتاج الوصول إلى هذا الصواب خمس سنوات كاملة من الانتظار؟ ذلك أن جوهر السياسة ليس فقط الوصول إلى القرار الصحيح، بل الوصول إليه في الوقت الصحيح.