بعد عبور هايتي.. العالم لا يسأل عن نتيجة المغرب بل عن سقف أحلامه

0
98
صورة: و.م.ع

في كرة القدم، هناك انتصارات تُشعل الاحتفالات، وهناك انتصارات تُطلق الأسئلة. وبين الصنفين يقف المنتخب المغربي اليوم. فبعد صافرة النهاية التي أعلنت فوز “أسود الأطلس” على هايتي وعبورهم إلى دور الـ32 من كأس العالم 2026، لم يكن النقاش العالمي منصباً على بطاقة التأهل في حد ذاتها، بقدر ما كان منصباً على الطريقة التي جاء بها هذا التأهل. وكأن المنتخب المغربي أصبح ضحية نجاحاته السابقة؛ فلم يعد العالم ينظر إليه كمنتخب يبحث عن النجاة من الدور الأول، بل كقوة كروية مطالبة بإقناع الجميع في كل مباراة، مهما كان حجم الخصم.

منذ الإنجاز التاريخي في مونديال قطر 2022، تغيرت النظرة الدولية إلى المغرب. لم يعد مجرد ممثل للكرة العربية أو الإفريقية، بل أصبح مشروعاً كروياً يُراقَب تحت المجهر. ولهذا السبب بدت معظم التعليقات الصادرة عن الصحافة البرازيلية والهولندية والفرنسية والإيطالية وكأنها تتحدث عن منتخب كبير أخفق في إقناع المتابعين رغم انتصاره، وليس عن منتخب نجح في تحقيق هدفه الأول بالتأهل إلى الأدوار الإقصائية.

الصحافة البرازيلية، التي تابعت في الوقت نفسه صراع المغرب والبرازيل على صدارة المجموعة، قرأت المباراة من زاوية الفرصة الضائعة. فبالنسبة إليها، لم يكن السؤال: هل فاز المغرب؟ بل لماذا لم يفرض تفوقه بصورة أكثر وضوحاً على منتخب كان قد فقد عملياً حظوظه في المنافسة؟ هذه القراءة تعكس منطقاً معروفاً في المدارس الكروية الكبرى؛ حيث لا تُقاس قوة المنتخبات بالنتائج فقط، بل بقدرتها على فرض شخصيتها على المباريات الأقل تعقيداً. ومن هذا المنظور، اعتُبر التأخر في حسم اللقاء مؤشراً على وجود صعوبات تكتيكية وذهنية ينبغي الانتباه إليها قبل دخول الأدوار الحاسمة.

أما في هولندا، فقد بدا الخطاب أكثر براغماتية. فالصحافة الهولندية لم تنكر قيمة التأهل، لكنها رأت أن المنتخب المغربي منح خصمه أكثر مما ينبغي من المساحات والثقة. وفي خلفية هذا التقييم يبرز عامل مهم: احتمال مواجهة مباشرة بين المغرب ومنتخب هولندا في الأدوار المقبلة. لذلك لم تكن الملاحظات الهولندية مجرد وصف للمباراة، بل كانت أيضاً محاولة لاستشراف ما إذا كان المنتخب المغربي يمتلك فعلاً المقومات التي تجعله منافساً خطيراً أمام القوى الأوروبية الكبرى.

وفي فرنسا، حيث يحظى عدد كبير من لاعبي المنتخب المغربي بمتابعة يومية بحكم احترافهم في الدوريات الأوروبية، بدا الاهتمام منصباً على مفارقة لافتة. فالمباراة التي كادت تتحول إلى مفاجأة مدوية، تحولت في النهاية إلى عرض هجومي ممتع، لكنه كشف في الوقت نفسه هشاشة معينة في المنظومة الجماعية. لذلك ركزت التحليلات الفرنسية على دور الأفراد أكثر من دور المجموعة. كان اسم أشرف حكيمي حاضراً بقوة، وكذلك سفيان رحيمي وإسماعيل صيباري، وكأن الرسالة الضمنية تقول إن المغرب امتلك الحلول بفضل مواهب استثنائية أكثر مما امتلكها بفضل سيطرة تكتيكية كاملة.

وهنا تظهر إحدى أهم القضايا التي تلاحق المنتخبات الطامحة إلى الذهاب بعيداً في كأس العالم: متى يتحول الاعتماد على النجوم من نقطة قوة إلى مصدر قلق؟ فالمنتخبات البطلة لا تُقاس فقط بقدرة نجومها على إنقاذ المباريات الصعبة، بل أيضاً بقدرتها على جعل الانتصار يبدو أمراً طبيعياً ومنظماً. وعندما يصبح النجم مطالباً في كل مباراة بإيجاد الحل السحري، فإن ذلك يكشف أحياناً عن اختلالات أعمق داخل البناء الجماعي.

الصحافة الإيطالية ذهبت في اتجاه مختلف نسبياً. فقد رأت في المباراة وجهاً آخر للمنتخب المغربي؛ وجهاً يمتلك قوة هجومية هائلة وقدرة مستمرة على صناعة الفرص. لكنها في المقابل سلطت الضوء على التألق الاستثنائي للحارس الهايتي جوني بلاسيد، الذي لعب دوراً رئيسياً في إبقاء النتيجة معلقة لفترات طويلة. ومن هنا يمكن قراءة جانب آخر من القصة: فالمشكلة لم تكن دائماً في افتقاد المغرب للفرص، بل في عجزه عن تحويل سيطرته إلى أهداف بالسرعة المطلوبة.

هذه النقطة تحديداً أعادت إلى الواجهة نقاشاً بدأ منذ المباريات الأولى في البطولة. فالمغرب ينجح في الوصول إلى مناطق الخصوم، ويصنع عدداً مهماً من الفرص، لكنه لا يترجم تفوقه بالفعالية نفسها التي تُظهرها المنتخبات المرشحة للقب. وفي البطولات الكبرى، غالباً ما تكون هذه التفاصيل الصغيرة هي الفاصل بين منتخب يكتب التاريخ ومنتخب يكتفي بالمشاركة المشرفة.

ولعل أكثر المواقف إثارة للاهتمام جاءت من بعض المحللين الذين دافعوا عن فكرة بسيطة لكنها عميقة: أن المنتخب المغربي أصبح مطالباً بمعايير جديدة صنعها بنفسه. فعندما يصل فريق إلى نصف نهائي كأس العالم، ويستثمر لسنوات في البنية التحتية والتكوين والاحتراف، ثم يستعد لاستضافة كأس العالم 2030، فإن سقف الانتظارات يرتفع تلقائياً. لذلك لم تعد الجماهير ولا الإعلام الدولي يكتفون بمشاهدة منتخب يفوز، بل يريدون رؤية منتخب يهيمن ويقنع ويبعث رسائل قوة إلى منافسيه.

من هنا يمكن فهم سبب التباين الظاهري في التغطيات الإعلامية العالمية. فبعضها تحدث عن الروح القتالية، وبعضها ركز على المعاناة أمام هايتي، وبعضها احتفى بثنائية حكيمي وصيباري أو بدخول رحيمي الحاسم. لكن خلف كل تلك القراءات كان هناك سؤال واحد يتكرر بصيغ مختلفة: هل هذا هو المغرب القادر على الذهاب بعيداً في مونديال 2026؟

الجواب لم تحسمه مباراة هايتي. فالانتصار منح المنتخب بطاقة العبور، لكنه لم يمنح بعد شهادة الاطمئنان الكامل. بل ربما كشف أن التحدي الحقيقي يبدأ الآن. ففي دور المجموعات يمكن إصلاح الأخطاء أثناء التقدم في المنافسة، أما في الأدوار الإقصائية فإن كل هفوة قد تتحول إلى نهاية الحلم.

وهكذا، بينما كانت الجماهير المغربية تحتفل بالتأهل، كانت الصحافة العالمية تكتب قصة مختلفة قليلاً. قصة منتخب لم يعد يُقاس بما حققه أمس، بل بما ينتظر منه غداً. وربما يكون هذا التحول في حد ذاته أكبر إنجاز حققته الكرة المغربية خلال السنوات الأخيرة؛ أن يصبح التأهل خبراً عادياً، بينما يصبح السؤال الحقيقي: هل يستطيع المغرب أن يصنع تاريخاً جديداً أكبر من ذلك الذي صنعه بالفعل؟