انسحاب الوزارة والأولمبية يوقف جمع الكيك بوكسينغ… هل دخلت الجامعة أخطر أزمة حكامة في تاريخها؟

0
108

في الوقت الذي انشغل فيه جزء كبير من المغاربة بالنقاش المتجدد حول الساعة الإضافية، اختار الصحفي والناشط الحقوقي رشيد البلغيتي أن يلفت الانتباه إلى ما اعتبره الجانب الأكثر أهمية في البلاغ الحكومي الصادر عقب اجتماع مجلس الحكومة. ففي منشور مطول على صفحته بموقع “فيسبوك”، لم يتوقف البلغيتي عند عدد المترشحين لاجتياز امتحانات البكالوريا لسنة 2026، بل طرح سؤالاً أكثر عمقاً: ماذا تخفي هذه الأرقام؟ وكم من طفل دخل المدرسة ولم يصل أصلاً إلى عتبة امتحان البكالوريا؟ ومن هذا السؤال، فتح نقاشاً يتجاوز موسم الامتحانات ليصل إلى مساءلة أداء المدرسة المغربية وقدرتها على تحقيق تكافؤ الفرص والارتقاء الاجتماعي.

ويكتسب هذا الطرح أهميته لأنه ينسجم مع ما خلصت إليه تقارير وطنية ودولية خلال السنوات الأخيرة، والتي تؤكد أن المغرب نجح بدرجة كبيرة في توسيع الولوج إلى التعليم، لكنه ما يزال يواجه تحدياً أكبر يتمثل في الحد من الهدر المدرسي وضمان استمرار التلاميذ داخل المنظومة التعليمية حتى نهاية التعليم الثانوي التأهيلي. فبعد أن كانت معركة الدولة تتمثل في إدخال الأطفال إلى المدرسة، أصبحت المعركة اليوم هي الحفاظ عليهم داخلها، وهي نقطة طالما نبه إليها المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، والمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، والبنك الدولي، ومنظمات الأمم المتحدة.

ومن هذه الزاوية، يتحول الرقم الذي أعلنته الحكومة بشأن اجتياز 528 ألف مترشح لامتحانات البكالوريا إلى مدخل لطرح أسئلة أوسع من مجرد نسب النجاح. فالأرقام الرسمية تروي قصة من بلغوا خط النهاية، لكنها لا تروي بالقدر نفسه قصة أولئك الذين غادروا المدرسة قبل الوصول إلى هذه المرحلة. فهناك آلاف التلاميذ الذين اضطروا إلى الانقطاع عن الدراسة بسبب الفقر أو الهشاشة الاجتماعية أو البعد الجغرافي أو ضعف البنيات الأساسية، وآخرون أعادوا سنوات دراسية قبل أن يغادروا المنظومة، فيما اتجه بعضهم إلى التكوين المهني أو إلى سوق الشغل غير المهيكل في سن مبكرة.

وفي هذا السياق، تبدو الملاحظة التي أثارها البلغيتي بشأن ضرورة قراءة الرقم في سياقه الكامل جديرة بالنقاش، لأن تقييم أداء أي منظومة تعليمية لا يتوقف عند عدد المترشحين أو الناجحين، بل يشمل أيضاً قياس عدد الذين فقدتهم المدرسة على طول المسار الدراسي. لذلك فإن أي احتفاء بالمؤشرات الرقمية يظل ناقصاً إذا لم يواكبه تحليل لأسباب الانقطاع الدراسي والتفاوتات المجالية والاجتماعية التي تؤثر في فرص النجاح.

ويثير منشور البلغيتي أيضاً قضية أخرى تتعلق بطبيعة النجاح نفسه. فهو يرى أن امتحان البكالوريا ليس مجرد اختبار يمتد لأيام قليلة، بل هو حصيلة سنوات من التفاوتات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وبينما يظل هذا التقدير رأياً لصاحبه، فإن عدداً من الدراسات الوطنية والدولية تؤكد بالفعل وجود ارتباط بين الأداء الدراسي ومستوى دخل الأسرة، والمجال الجغرافي، ومستوى تعليم الوالدين، وجودة البنية التحتية التعليمية، وإمكانية الاستفادة من الدعم التربوي والرقمي. وبذلك يصبح النجاح المدرسي انعكاساً لتكافؤ الفرص بقدر ما هو ثمرة للمجهود الفردي.

كما توقف البلغيتي عند استعمال البلاغ الحكومي لعبارة “الناجحين المتمدرسين”، معتبراً أن هذا الاختيار الإحصائي يستحق النقاش، لأن نتائج المترشحين الأحرار تختلف عادة عن نتائج المتمدرسين. ومن الناحية المنهجية، فإن الفصل بين الفئتين معتمد في الإحصاءات التربوية، غير أن القراءة التحليلية تظل مشروعة عندما يتعلق الأمر بكيفية تقديم المؤشرات للرأي العام، خاصة إذا كان الهدف هو تكوين صورة شاملة عن واقع التعليم وليس فقط عن نتائجه داخل المؤسسات التعليمية.

وفي المقابل، فإن حديث وزير التربية الوطنية عن وجود “دينامية إيجابية” يجد ما يبرره من الناحية التقنية، بالنظر إلى ارتفاع عدد المترشحين واستقرار نسب النجاح. إلا أن هذا المؤشر، كما يلاحظ عدد من الباحثين، لا يكفي وحده للحكم على جودة المنظومة التعليمية، لأن هناك مؤشرات أخرى لا تقل أهمية، مثل نسب الانقطاع عن الدراسة، وجودة التعلمات، ومعدلات الاندماج في التعليم العالي وسوق الشغل، فضلاً عن وضعية الشباب الذين يوجدون خارج الدراسة والتكوين والعمل، وهي فئة ما تزال تشكل تحدياً تنموياً كبيراً في المغرب.

وهنا تتجاوز القضية حدود امتحان البكالوريا لتطرح سؤالاً حول الوظيفة الاجتماعية للمدرسة المغربية. فهل ما تزال المدرسة العمومية قادرة على أن تكون أداة للترقي الاجتماعي وتقليص الفوارق؟ أم أن التفاوتات الاقتصادية والمجالية أصبحت تنعكس داخل الفصول الدراسية، فتجعل فرص النجاح مرتبطة بالبيئة الاجتماعية أكثر مما ترتبط بقدرات التلميذ وحدها؟ إنها أسئلة لا يجيب عنها بلاغ حكومي واحد، لكنها تظل حاضرة بقوة في النقاش العمومي وفي تقارير الخبراء والمؤسسات الدستورية.

في النهاية، قد تختلف الآراء حول القراءة التي قدمها رشيد البلغيتي، وقد يختلف تقييم حصيلة الحكومة في قطاع التعليم بين من يركز على المؤشرات الرقمية ومن ينظر إلى الاختلالات البنيوية، لكن المؤكد أن منشوره نجح في تحويل رقم ورد في بلاغ حكومي إلى نقاش أوسع حول مستقبل المدرسة المغربية. وربما يكون السؤال الذي ينبغي أن يظل مطروحاً ليس فقط: كم نجح في امتحان البكالوريا؟ بل: كم نجحت المدرسة المغربية في أن تمنح جميع أبنائها فرصة متكافئة للوصول إلى هذه المرحلة، ثم فرصة حقيقية لبناء مستقبلهم بعدها؟ لأن قيمة أي إصلاح تعليمي لا تُقاس بعدد الشهادات الممنوحة، وإنما بعدد المسارات الإنسانية التي استطاع إنقاذها من الضياع.