المقاولات الصغيرة جداً… عندما يصبح العمود الفقري للاقتصاد الحلقة الأضعف في معادلة التنمية

0
62

في كل عام، يحتفل العالم باليوم العالمي للمقاولات الصغيرة، باعتبارها القلب النابض للاقتصادات الحديثة، والمحرك الحقيقي لخلق الثروة وفرص الشغل والابتكار المحلي. غير أن هذا الاحتفاء يطرح في المغرب سؤالاً يبدو أكثر إلحاحاً من أي احتفال: كيف يمكن لقطاع يمثل ما يقارب 98 في المائة من مجموع المقاولات الوطنية أن يتحول، في الوقت نفسه، إلى أكثر القطاعات هشاشة، وأكثرها تعرضاً للإفلاس، وأقلها استفادة من السياسات العمومية؟

هذا السؤال لا يطرحه الخطاب السياسي وحده، بل تفرضه الوقائع التي تكشف عن مفارقة عميقة داخل الاقتصاد المغربي. فمن جهة، لا يكاد يوجد نشاط اقتصادي أو تجاري أو حرفي أو خدماتي يخلو من حضور المقاولات الصغيرة جداً، سواء داخل المدن الكبرى أو في القرى والمراكز الصاعدة. ومن جهة أخرى، تبدو هذه المقاولات وكأنها تعمل داخل بيئة تجعل الاستمرار تحدياً يومياً، أكثر منه فرصة طبيعية للنمو.

ومن هنا يكتسب البلاغ الذي أصدرته الكونفيدرالية المغربية للمقاولات الصغيرة جداً والصغرى والمتوسطة، بمناسبة اليوم العالمي للمقاولات الصغرى، أهميته، لأنه لا يكتفي بعرض أرقام أو تسجيل مواقف، بل يسلط الضوء على ما تعتبره المنظمة أزمة بنيوية أصبحت تهدد أحد أهم أعمدة الاقتصاد الوطني.

فالحديث عن المقاولات الصغيرة جداً ليس حديثاً عن فئة اقتصادية هامشية، وإنما عن آلاف الورشات، والمحلات، والمكاتب، والمقاولات الأسرية، والمقاولين الذاتيين، والشركات الناشئة، وكل المبادرات الفردية التي تشكل اقتصاد القرب، وتضمن استمرار دورة الإنتاج والاستهلاك داخل مختلف جهات المملكة.

ولذلك فإن اختلال أوضاع هذا القطاع لا ينعكس فقط على أرباب المقاولات، بل يمتد أثره إلى العمال، والأسر، والموردين، والمقاولات الكبرى نفسها، لأن الاقتصاد يشبه سلسلة مترابطة، وأي ضعف يصيب إحدى حلقاتها ينعكس على باقي الحلقات.

الكونفيدرالية اختارت هذه السنة عنواناً يحمل دلالة قوية: “المحرك المعطوب”. وهو توصيف لا يكتفي بوصف الأزمة، بل يختزل فلسفة كاملة حول واقع قطاع يمتلك القدرة على دفع عجلة الاقتصاد، لكنه يجد نفسه عاجزاً عن أداء هذا الدور بسبب أعطاب متراكمة.

وتكشف الدراسة الوطنية التي أنجزتها الكونفيدرالية أن المغرب لا يعاني من أزمة في روح المبادرة أو في خلق المقاولات. فالمغاربة، وفق المعطيات المقدمة، يواصلون تأسيس آلاف المقاولات الجديدة كل سنة، بما يعكس استمرار الرغبة في الاستثمار والعمل الحر. لكن المشكلة الحقيقية تبدأ بعد لحظة التأسيس، عندما تدخل هذه المقاولات في مواجهة مباشرة مع واقع اقتصادي وإداري وتمويلي يجعل فرص البقاء محدودة.

وتكتسب هذه الخلاصة أهمية خاصة لأنها تنقل النقاش من سؤال: “كيف ننشئ مقاولات جديدة؟” إلى سؤال أكثر عمقاً: “كيف نجعل هذه المقاولات تعيش وتكبر وتتحول إلى مصدر دائم للثروة؟”

فنجاح أي اقتصاد لا يقاس بعدد المقاولات التي تولد، بل بعدد المقاولات التي تستمر وتخلق القيمة المضافة عبر الزمن.

الأرقام التي تضمنها البلاغ تعكس حجم التحدي. فاختفاء نحو 150 ألف مقاولة خلال أربع سنوات، أغلبها من المقاولات الصغيرة جداً، لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد حركة طبيعية للسوق، بل مؤشر يستحق التوقف، لأنه يعكس هشاشة جزء واسع من النسيج المقاولاتي.

وعندما تشير المعطيات إلى أن مقاولة صغيرة جداً تختفي كل عشر دقائق، فإن الأمر لا يتعلق بإحصائية مجردة، بل بقصص إنسانية لمستثمرين صغار وضعوا مدخراتهم وأحلامهم في مشاريع انتهت قبل أن تحقق الاستقرار، وبأسر فقدت مصدر دخلها، وبمناصب شغل ضاعت، وبخبرات خرجت من الدورة الاقتصادية.

ولا تقل نسبة بقاء المقاولات أهمية عن عدد المقاولات المؤسسة. فإذا كانت نسبة كبيرة منها لا تتجاوز السنوات الأولى من نشاطها، فإن ذلك يفرض إعادة التفكير في البيئة التي تعمل داخلها، لأن الاقتصاد السليم لا يكتفي بتشجيع المبادرة، بل يوفر أيضاً شروط الاستمرارية.

وتقف الدراسة عند سبعة أعطاب تعتبرها جوهر الأزمة. أولها التمويل، حيث تؤكد أن المقاولات الصغيرة جداً ما تزال تجد صعوبة كبيرة في الولوج إلى القروض البنكية، رغم أنها تمثل الأغلبية الساحقة من النسيج الاقتصادي. ويطرح هذا الواقع سؤالاً حول مدى قدرة منظومة التمويل التقليدية على مواكبة طبيعة هذه المقاولات التي تختلف احتياجاتها وإمكاناتها عن الشركات الكبرى.

أما العائق الثاني فيتعلق بتأخر الأداء، وهي معضلة تتحول بالنسبة للمقاولة الصغيرة جداً إلى أزمة سيولة قد تكون كافية لإيقاف نشاطها بالكامل. فالمقاولة الكبرى قد تستطيع انتظار مستحقاتها أشهراً، لكن المقاولة الصغيرة تعتمد في الغالب على دورة مالية قصيرة لا تحتمل التأخير الطويل.

ويبرز العامل الجبائي بدوره ضمن الإشكالات التي تعتبرها الكونفيدرالية بحاجة إلى مراجعة، ليس من زاوية رفض الضريبة، وإنما من زاوية ملاءمتها لقدرات المقاولات الصغيرة جداً، بما يحقق التوازن بين حق الدولة في الجباية وحق المقاولة في الاستمرار.

ومن بين أكثر النقاط إثارة للنقاش ما يتعلق بالطلبيات العمومية. فالبلاغ يعتبر أن وجود مقتضيات قانونية تخصص نسبة من الصفقات العمومية للمقاولات الصغيرة جداً والصغرى والمتوسطة يفقد جزءاً كبيراً من أثره إذا لم يجد طريقه إلى التطبيق العملي، لأن النصوص القانونية وحدها لا تغير الواقع ما لم تتحول إلى سياسات تنفيذية فعالة.

وفي المقابل، يشكل توسع القطاع غير المهيكل تحدياً إضافياً، إذ تجد المقاولات الملتزمة بالقوانين نفسها في منافسة مع وحدات إنتاج لا تتحمل الأعباء الجبائية والاجتماعية نفسها، وهو ما يخلق تفاوتاً في شروط المنافسة ويضعف قدرة المقاولة المنظمة على الصمود.

ولا تغفل الدراسة جانباً آخر لا يقل أهمية، يتمثل في ضعف الرقمنة والتكوين والتأهيل الإداري. ففي عالم أصبحت فيه التكنولوجيا عاملاً أساسياً في التنافسية، فإن غياب الحضور الرقمي لدى نسبة كبيرة من المقاولات الصغيرة جداً لا يمثل فقط تأخراً تقنياً، بل قد يتحول إلى عائق اقتصادي يحرمها من أسواق جديدة وفرص نمو مختلفة.

كما تثير الكونفيدرالية قضية التمثيلية المؤسساتية، معتبرة أن قطاعاً يشكل الغالبية الساحقة من المقاولات الوطنية ينبغي أن يكون حاضراً بصورة أكبر داخل فضاءات صناعة القرار الاقتصادي، حتى تعكس السياسات العمومية احتياجات مختلف مكونات النسيج الإنتاجي.

غير أن البلاغ لا يقف عند حدود التشخيص، بل يحاول الانتقال إلى منطق الاقتراح، من خلال عرض حزمة من الإصلاحات تشمل التمويل، والجباية، والصفقات العمومية، والرقمنة، والحكامة، والتكوين، وإدماج القطاع غير المهيكل، والتنمية الترابية.

وتندرج ضمن هذه الرؤية الدعوة إلى إنشاء مؤسسات وآليات متخصصة بالمقاولات الصغيرة جداً، وإعداد ميثاق وطني جديد، وإطلاق مبادرة تمتد إلى أفق 2035، تقوم على أهداف قابلة للقياس، بما يجعل دعم هذه المقاولات جزءاً من رؤية تنموية طويلة المدى، وليس مجرد تدخلات ظرفية مرتبطة بالأزمات.

كما يحمل قرار تأجيل المناظرة الأولى للمقاولات الصغيرة جداً دلالة سياسية ومؤسساتية واضحة، إذ ربطته الكونفيدرالية برغبتها في عرض كتابها الأبيض وميثاقها المقترح على الحكومة التي ستفرزها الانتخابات المقبلة، انطلاقاً من قناعة مفادها أن الحوار حول مستقبل هذا القطاع يحتاج، في نظرها، إلى شريك سياسي جديد يمتلك الشرعية والقدرة على الالتزام بإصلاحات هيكلية.

ويبقى هذا الموقف معبراً عن رؤية الكونفيدرالية، ويشكل جزءاً من نقاش عمومي مشروع حول السياسات الاقتصادية، في انتظار ما ستسفر عنه المرحلة المقبلة من تفاعل مؤسساتي مع هذه المقترحات.

في النهاية، قد يكون السؤال الحقيقي أكبر من أرقام الإفلاس، وأوسع من نسب التمويل، وأعمق من النقاش الجبائي. فالقضية تمس طبيعة النموذج الاقتصادي نفسه: هل يمكن بناء اقتصاد قوي ومستدام إذا ظل أكبر مكوناته يعيش على هامش السياسات العمومية؟ وهل يكفي أن نفتخر بعدد المقاولات التي تولد كل سنة، إذا كانت نسبة كبيرة منها لا تجد الشروط الكفيلة بالاستمرار؟

إن مستقبل المقاولات الصغيرة جداً ليس شأناً يهم أصحابها وحدهم، بل هو جزء من مستقبل الاقتصاد الوطني بأكمله. فحين يكون المحرك معطوباً، لا تتوقف الآلة بسبب ضعف المحرك فقط، بل لأن الاتجاه كله يصبح مهدداً بفقدان القوة التي تدفعه إلى الأمام.