عندما تصبح النتيجة أقوى من اللعبة… هل كشفت مباراة الجزائر والنمسا أزمة في كرة القدم أم أزمة في قوانينها؟

0
72

لم تكن مباراة الجزائر والنمسا، التي انتهت بتعادل مثير بثلاثة أهداف لمثلها ومنحت المنتخبين معاً بطاقة العبور إلى دور الـ32 من كأس العالم، مجرد تسعين دقيقة من كرة القدم. لقد تحولت إلى قضية عالمية تجاوزت حدود النتيجة، بعدما أعادت إلى الواجهة واحداً من أكثر الأشباح حضوراً في ذاكرة المونديال، وهو شبح “خيخون 1982″، حين أصبحت الحسابات أقوى من روح المنافسة، وأصبح الجمهور شاهداً على مباراة لا تشبه كرة القدم التي جاء من أجلها.

ولم يكن السبب أن المنتخبين تعادلا، فالتعادل جزء طبيعي من اللعبة، وإنما لأن دقائق طويلة من اللقاء أوحت بأن الطرفين وصلا إلى لحظة لم يعد فيها البحث عن الفوز أولوية، بل أصبح الهدف المشترك هو حماية النتيجة التي تخدم مصالحهما معاً. هنا تحديداً يبدأ السؤال الحقيقي: هل المشكلة في اللاعبين؟ أم في النظام الذي يجعل الامتناع عن المخاطرة قراراً عقلانياً؟

هذا السؤال هو الذي سيطر على معظم الصحافة العالمية، التي لم تنشغل بعدد الأهداف بقدر انشغالها بما حدث بعد الدقيقة الستين، عندما سجل رياض محرز الهدف الثاني للجزائر، لتدخل المباراة تدريجياً مرحلة مختلفة تماماً عن بدايتها.

فقد تراجع النسق بصورة لافتة، واختفت الضغوط الهجومية تقريباً، وتحولت الكرة إلى عملية تدوير هادئة بين المدافعين ولاعبي الوسط، بينما بدا المنتخب النمساوي متقبلاً لهذا الإيقاع، من دون ضغط مرتفع أو اندفاع هجومي قد يهدد النتيجة التي كانت تضمن له أيضاً التأهل.

في تلك اللحظة لم يعد الجمهور يتابع مباراة بين منتخبين يسعيان إلى الانتصار، بل بدا وكأنه يشاهد فريقين يحاول كل منهما ألا يفسد على الآخر ما تحقق من مصلحة مشتركة.

غير أن كرة القدم، التي كثيراً ما تعاقب من يظن أنه سيطر عليها، رفضت أن تنتهي بهذه الصورة. ففي الوقت بدل الضائع سجل محرز الهدف الثالث، فانقلبت الحسابات بالكامل، وأصبح المنتخب النمساوي خارج البطولة لثوانٍ معدودة، قبل أن يعود ويعادل النتيجة في الدقيقة السادسة من الوقت المحتسب بدل الضائع، لتتحول المباراة فجأة من حالة جمود قاتلة إلى واحدة من أكثر النهايات جنوناً في البطولة.

لكن النهاية المثيرة لم تمنع موجة الانتقادات، بل ربما زادت من حدتها، لأن العالم لم يكن يناقش الدقائق الأخيرة بقدر ما كان يناقش ما سبقها.

اللافت أن أشد الانتقادات لم تصدر من الخارج، وإنما جاءت من داخل النمسا نفسها، وهو ما منح النقاش مصداقية أكبر، لأن الإعلام النمساوي لم يحاول حماية منتخب بلاده أو تبرير سلوكه، بل اختار ممارسة النقد الذاتي.

فقد وصفت صحيفة “كورير” ما حدث بأنه “قمة السذاجة”، معتبرة أن المنتخب النمساوي سمح لنفسه بالدخول في حالة من الاطمئنان المبالغ فيه، وكأنه نسي أن كرة القدم لا تعترف بالضمانات حتى يطلق الحكم صافرة النهاية.

وفي جوهر هذا النقد لا يتعلق الأمر فقط بالأداء، بل بعقلية إدارة المباراة. فالمنتخب الذي يعتقد أن الزمن وحده سيحميه، قد يكتشف في لحظة واحدة أن هدفاً متأخراً قادر على نسف كل الحسابات، وهو ما حدث بالفعل عندما وضع هدف محرز الثالث النمسا مؤقتاً خارج المونديال.

أما صحيفة “كرونن تسايتونغ” فقد ركزت على صورة أكثر إيلاماً، حين تحدثت عن دقائق كاملة من تمرير الكرة بلا غاية حقيقية، وسط جماهير بدأت تغادر المدرجات، وأخرى لجأت إلى إطلاق صافرات الاستهجان احتجاجاً على ما اعتبرته غياباً كاملاً لروح المنافسة.

ولعل أكثر التعليقات تعبيراً جاء من النجم النمساوي السابق أندرياس هيرتسوغ، الذي وصف تلك المرحلة بأنها “أسوأ كرة قدم” اضطر إلى التعليق عليها طوال مسيرته الإعلامية، في إشارة إلى أن الأزمة لم تكن في النتيجة، وإنما في مضمون الأداء نفسه.

في فرنسا، بدا الموقف أكثر توازناً، لكنه لم يكن أقل انتقاداً.

فقد رصدت صحيفة “ليكيب” بوضوح كيف تحولت نهاية المباراة إلى مشهد فقد الكثير من ملامحه التنافسية، مشيرة إلى أن المنتخب الجزائري فضّل الاحتفاظ بالكرة عبر مئات التمريرات الآمنة، بينما بدا المنتخب النمساوي غير مستعد لكسر هذا الإيقاع.

لكن الصحيفة الفرنسية رفضت الذهاب إلى حد وصف اللقاء بأنه نسخة جديدة من “مباراة العار”، انطلاقاً من أن الأحداث الدرامية في الوقت بدل الضائع أثبتت أن مصالح المنتخبين لم تكن متطابقة بالكامل، وأن هدفاً واحداً كان قادراً على قلب كل الحسابات.

الموقف نفسه تقريباً تبناه “يوروسبورت” الفرنسي، الذي رأى أن المباراة كانت مليئة بالتقلبات ولا توفر أدلة على وجود اتفاق مسبق، حتى وإن كانت الحسابات المشتركة قد دفعت المنتخبين عملياً إلى تقليل المخاطرة خلال جزء مهم من اللقاء.

أما الصحافة الإسبانية، فقد اختارت التعبير الذي يحمل حمولة ثقافية خاصة في كرة القدم الأوروبية: “البسكوتو”.

هذا المصطلح، الذي يستخدم لوصف المباريات التي تنتهي بنتيجة تخدم الفريقين معاً، عاد بقوة إلى العناوين، بعدما رأت صحيفة “آس” أن المباراة دخلت مرحلة توحي بوجود تفاهم غير معلن، حتى وإن لم يكن هناك اتفاق مباشر.

ولم تتحدث الصحيفة عن مؤامرة، بل عن منطق رياضي بسيط يجعل كل طرف يدرك أن المغامرة قد تحرمه مما أصبح بين يديه.

لكن المفارقة أن المباراة نفسها نسفت هذه الفكرة بعد دقائق، عندما تحول “البسكوتو” المفترض إلى حالة من الفوضى الكاملة بسبب هدفي الوقت القاتل، وهو ما أبرز هشاشة أي حسابات تعتمد فقط على انتظار النهاية.

وفي إنجلترا، كانت اللغة أكثر قسوة من الناحية الجماهيرية.

فقد شبهت “الغارديان” جزءاً من اللقاء بحصة تدريبية أكثر منه مباراة في كأس العالم، مشيرة إلى أن الجماهير لم تعد تخفي غضبها من البطء والتمريرات الآمنة، حتى بدا وكأن بعض المشجعين ينتظرون صافرة النهاية أكثر من اللاعبين أنفسهم.

أما “الإندبندنت” فرأت أن المخاوف التي سبقت المباراة من احتمال سيطرة الحسابات على الأداء تحققت بالفعل خلال فترة طويلة من اللقاء، حين بدا المنتخبان مقتنعين بأن المحافظة على التعادل أكثر فائدة من البحث عن الفوز.

غير أن القراءة الأعمق لهذه القضية تتجاوز الجزائر والنمسا معاً.

فالمنتخبان تصرفا وفق الحوافز التي وضعها نظام البطولة، وليس خارجها.

وعندما يصبح التعادل أفضل من الفوز أحياناً، أو عندما تكون الخسارة المحدودة أكثر أماناً من المجازفة، فإن النظام نفسه يبدأ في إنتاج سلوكيات تتعارض مع فلسفة الرياضة.

هنا لا تعود المشكلة أخلاقية فقط، بل تتحول إلى مشكلة مؤسساتية في تصميم المنافسة.

لقد واجهت كرة القدم هذه المعضلة سابقاً بعد فضيحة خيخون عام 1982، عندما قرر الاتحاد الدولي إقامة مباريات الجولة الأخيرة في التوقيت نفسه لمنع التلاعب بالحسابات.

لكن مع تطور نظام “أفضل أصحاب المركز الثالث”، عادت الحسابات بصورة مختلفة، ليس عبر اتفاقات صريحة، وإنما عبر منطق رياضي يجعل بعض المباريات تنتهي تلقائياً إلى إدارة المخاطر بدلاً من صناعة الفرجة.

ومن هنا يبدو أن القضية ليست إدانة منتخب بعينه، ولا الدفاع عن آخر، وإنما إعادة التفكير في فلسفة تنظيم البطولات نفسها.

فكلما منحت اللوائح مساحة أكبر للحسابات، تقلصت مساحة الشجاعة.

وكلما أصبح التأهل يعتمد على معادلات معقدة، ازدادت احتمالات أن تتحول المباراة من منافسة مفتوحة إلى عملية إدارة مخاطر.

إن كرة القدم لا تعيش فقط بالأهداف، بل تعيش أيضاً بالإحساس الدائم بأن كل دقيقة تحمل احتمال المفاجأة.

وعندما يفقد الجمهور هذا الإحساس، فإنه لا يغضب لأن فريقه لم يفز، بل لأنه يشعر بأن اللعبة نفسها توقفت عن اللعب.

وربما لهذا السبب لم تكن صافرات الاستهجان في تلك الدقائق موجهة إلى الجزائر أو النمسا، بقدر ما كانت احتجاجاً على مشهد جعل المنطق الرياضي ينتصر على جوهر الرياضة.

ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يشغل الاتحاد الدولي أكثر من نتيجة مباراة واحدة: هل تكفي معاقبة اللاعبين على السلوكيات غير الرياضية، أم أن الإصلاح الحقيقي يبدأ عندما تُصاغ لوائح البطولة بطريقة تجعل السعي إلى الفوز دائماً الخيار الأكثر ربحاً، بدلاً من أن يصبح الاكتفاء بعدم الخسارة الطريق الأقصر نحو المجد؟