قلقٌ مشروعٌ في الخليج العربي من التفاهمات الأمريكية – الإيرانية.. كل اتفاق بداية لاختبار جديد وكل مُصافحة بداية لامتحان طويل

0
46
تقرير تحليلي معمق يتناول مخاوف دول الخليج من التفاهمات الأمريكية الإيرانية، وانعكاساتها على أمن الخليج والتوازنات الإقليمية، في ضوء الرؤية المصرية للأمن الإقليمي وتحليلات مراكز الدراسات الاستراتيجية.
أعلام دول أعضاء بمجلس التعاون لدول الخليج العربية - مصدر الصورة: أ. ف. ب

هناك لحظات في تاريخ الشرق الأوسط لا تُقاس بما يُعلن فيها من اتفاقات، وإنما بما تتركه من أسئلة. فالبيانات الرسمية تُكتب بلغة الدبلوماسية، أما الهواجس فتظل حبيسة غرف القرار، حيث تُرسم الخرائط وتُقرأ موازين القوى بعيداً عن عدسات الكاميرات.

التفاهم الأمريكي الإيراني الذي أُعلن في يونيو 2026 الجاري ينتمي إلى هذا النوع من اللحظات. فمنذ أن أعلنت واشنطن وطهران فتح صفحة جديدة من التفاوض، بدأت العواصم الخليجية تتابع المشهد بقدر من الترحيب الحذر، لكن أيضاً بقدر مماثل من القلق. فالخليج لم يكن يوماً مجرد مراقب للعلاقة بين الولايات المتحدة وإيران، بل كان دائماً الساحة التي تنعكس عليها نتائج أي تقارب أو توتر بين الطرفين.

وهنا تبرز الرؤية المصرية، التي أكدت في أكثر من مناسبة أن أمن الخليج جزء لا يتجزأ من الأمن القومي العربي، وأن استقرار المنطقة لا يتحقق من خلال تفاهمات ثنائية بين القوى الكبرى والقوى الإقليمية، وإنما عبر منظومة أمنية تقوم على احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، ومعالجة أسباب التوتر بالحوار والدبلوماسية، وهي مبادئ كررتها القاهرة في بياناتها الرسمية وفي مشاركاتها داخل الأطر العربية والإقليمية.

ذاكرة الخليج لا تبدأ من يونيو 2026

المشكلة بالنسبة لدول الخليج ليست في مبدأ الحوار مع إيران، بل في التجارب السابقة.

فمنذ الثورة الإيرانية عام 1979، مرت العلاقات الأمريكية الإيرانية بمراحل من التصعيد والتهدئة، لكن دول الخليج كانت في معظم الأحيان تجد نفسها أمام نتائج تفاهمات لم تكن طرفاً رئيسياً في صياغتها، بينما تتحمل وحدها كثيراً من تداعياتها الأمنية.

وتشير دراسات صادرة عن مراكز أبحاث أمريكية وأوروبية، مثل مؤسسة RAND ومجلس العلاقات الخارجية (CFR)، إلى أن دول الخليج تنظر إلى أي تفاهم أمريكي إيراني من خلال سؤال جوهري: هل سيؤدي إلى تعديل السلوك الإقليمي الإيراني، أم أنه سيقتصر على الملفات الثنائية، وفي مقدمتها الملف النووي والعقوبات الاقتصادية؟

هذا السؤال ليس نظرياً، بل يرتبط بخبرة تراكمت عبر سنوات من الأزمات في العراق وسوريا واليمن ولبنان، حيث ارتبط النفوذ الإيراني بملفات أمنية معقدة أصبحت جزءاً من معادلة الأمن الإقليمي.

التفاهم لا يعني نهاية المنافسة

يخطئ من يظن أن الاتفاق بين واشنطن وطهران يعني انتهاء الصراع بينهما.

فكثير من مراكز الدراسات الغربية، ومنها المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية (IISS) وتشاتام هاوس، ترى أن ما حدث هو إدارة للخلاف وليس إنهاءً له. فالولايات المتحدة تسعى إلى تقليل احتمالات المواجهة العسكرية المباشرة، لكنها في الوقت نفسه لا تبدو مستعدة للتخلي عن شبكة تحالفاتها الخليجية، ولا عن وجودها العسكري في المنطقة.

وفي المقابل، تنظر إيران إلى أي انفراج مع واشنطن باعتباره فرصة لتخفيف الضغوط الاقتصادية وتعزيز موقعها التفاوضي، دون أن يعني ذلك بالضرورة إعادة تعريف دورها الإقليمي بصورة جذرية.

ومن هنا ينبع القلق الخليجي؛ إذ تخشى بعض العواصم أن تتحول التفاهمات إلى هدنة بين واشنطن وطهران، بينما تبقى الملفات الإقليمية مفتوحة أمام تنافس النفوذ.

لماذا يقلق الخليج؟

يكشف تحليل الخطاب الرسمي الخليجي خلال السنوات الأخيرة أن الأولوية الأساسية تتمثل في ضمان عدم المساس بأمن الممرات البحرية، وفي مقدمتها مضيق هرمز، وعدم السماح بعودة التوتر الذي شهدته المنطقة خلال الأعوام الماضية.

كما أن دول الخليج استثمرت بصورة كبيرة في برامج تنويع الاقتصاد وجذب الاستثمارات العالمية، وهو ما يجعل الاستقرار الإقليمي شرطاً أساسياً لتحقيق مستهدفات رؤى التنمية الوطنية، سواء في السعودية أو الإمارات أو قطر أو بقية دول المجلس.

ولهذا، فإن أي تفاهم لا يقدم ضمانات واضحة بشأن الأمن البحري، أو الحد من التوترات الإقليمية، سيظل محل متابعة دقيقة من العواصم الخليجية.

الرؤية المصرية.. الأمن لا يُجزأ

منذ سنوات، تتمسك القاهرة بموقف ثابت مفاده أن أمن الخليج يمثل امتداداً مباشراً للأمن القومي المصري.

هذا الموقف لم يكن مجرد إعلان سياسي، بل انعكس في بيانات القمم العربية، وفي التنسيق المستمر مع دول مجلس التعاون الخليجي، وفي التأكيد المتكرر على ضرورة حماية حرية الملاحة في البحر الأحمر والخليج العربي، ورفض أي إجراءات من شأنها تهديد أمن الطاقة أو التجارة الدولية.

كما تؤكد الرؤية المصرية أن التسويات الإقليمية لا ينبغي أن تُبنى على حساب الدول العربية أو أن تُنتج فراغات أمنية تستغلها قوى غير دولية أو تنظيمات مسلحة.

ومن هذا المنطلق، تنظر القاهرة إلى الحوار باعتباره وسيلة لخفض التوتر، لكنها في الوقت نفسه تشدد على أن نجاح أي تفاهم يتوقف على احترام سيادة الدول، وعدم التدخل في شؤونها، والالتزام بقواعد القانون الدولي.

هل يستطيع الاتفاق تغيير معادلات المنطقة؟

ترى مراكز الدراسات الاستراتيجية أن نجاح التفاهم الأمريكي الإيراني سيظل مرهوناً بقدرته على الانتقال من مستوى التهدئة السياسية إلى مستوى السلوك العملي.

فإذا انعكس الاتفاق في صورة انخفاض للتوتر في الخليج، وتحسن في أمن الملاحة، وتراجع في الأزمات الإقليمية، فقد يتحول إلى نقطة انطلاق لمرحلة أكثر استقراراً.

أما إذا اقتصر على الملفات الثنائية، بينما استمرت الصراعات بالوكالة في الإقليم، فإن المخاوف الخليجية ستظل قائمة، بل ربما تتزايد.

ولهذا، فإن كثيراً من الباحثين يعتبرون أن الأشهر التالية للاتفاق ستكون أكثر أهمية من الاتفاق نفسه، لأنها ستكشف ما إذا كان الشرق الأوسط يتجه فعلاً إلى مرحلة جديدة، أم أنه يعيش هدنة مؤقتة بين جولات الصراع.

ما بين الطمأنينة والحذر

ليس من مصلحة دول الخليج أن تعود المنطقة إلى حافة الحرب، كما أنه ليس من مصلحتها أن يتحول الاستقرار إلى عنوان سياسي يخفي وراءه اختلالاً في موازين الأمن.

ولهذا تبدو السياسة الخليجية اليوم أقرب إلى الواقعية؛ فهي ترحب بخفض التصعيد، لكنها تراقب التنفيذ، وتتمسك بتحالفاتها، وتواصل في الوقت نفسه بناء قدراتها الدفاعية وتعزيز شراكاتها الدولية.

وربما كان الدرس الأهم الذي خرجت به المنطقة خلال العقدين الماضيين أن الأمن لا يُصنع باتفاق واحد، ولا ينهار بسبب خلاف واحد، وإنما هو عملية تراكمية تقوم على الثقة، والالتزام، واحترام المصالح المتبادلة.

وفي النهاية، قد يكون التفاهم الأمريكي الإيراني بداية صفحة جديدة، لكنه ليس نهاية الكتاب. فالشرق الأوسط لا يزال يحمل من التعقيد ما يجعل كل اتفاق بداية لاختبار جديد، وكل مصافحة بداية لامتحان طويل. وبين الطاولة التي جلس حولها المفاوضون، والعواصم الخليجية التي تراقب المشهد، تبقى الحقيقة الأهم أن استقرار المنطقة لن يتحقق إلا إذا شعر جميع أطرافها بأن أمنهم ليس موضوعاً للتفاوض، بل قاعدة تنطلق منها كل تسوية سياسية قابلة للحياة.