شبهات غسل الأموال في العقار… عندما تتحول “المصارفة” من بديل تمويلي إلى بوابة تثير أسئلة الثقة والرقابة

0
98

لم يعد ملف غسل الأموال في المغرب يقتصر على تتبع الأموال القادمة من شبكات الاتجار بالمخدرات أو الجرائم المالية التقليدية، بل أصبح يتخذ أشكالاً أكثر تعقيداً، تتسلل عبر قطاعات تبدو في ظاهرها قانونية ومشروعة، وفي مقدمتها القطاع العقاري الذي ظل، لعقود، أحد أكثر المجالات استقطاباً للسيولة النقدية والاستثمارات ذات المصادر المتعددة. لذلك، فإن تحرك هيئة المعلومات المالية إثر رصد تحويلات مالية متكررة ومرتفعة القيمة نحو حسابات شركات للإنعاش العقاري لا يمكن قراءته باعتباره مجرد إجراء تقني أو عملية مراقبة اعتيادية، بل يمثل مؤشراً على أن الدولة أصبحت تنظر إلى بعض الأنماط الجديدة في تمويل المعاملات العقارية باعتبارها تستوجب قدراً أكبر من اليقظة، خاصة عندما تتقاطع مع مؤشرات مالية غير مألوفة.

فالمعطيات الأولية التي كشفتها التحريات تثير أكثر من سؤال حول طبيعة الأموال التي يتم ضخها في مشاريع عقارية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بتحويلات متكررة تتراوح بين 150 ألفاً و400 ألف درهم للعملية الواحدة، تصدر من حسابات بنكية حديثة الفتح، وتتجه نحو حسابات منعشين عقاريين في مدينتي الدار البيضاء وطنجة. فليست قيمة التحويل وحدها هي التي تثير الانتباه، وإنما نمطه وتكراره، وتوقيته، والكيفية التي تتوزع بها هذه التدفقات المالية، وهي عناصر تعتمدها وحدات الاستخبارات المالية عبر العالم باعتبارها من بين المؤشرات الأولية التي تستوجب الفحص والتدقيق.

غير أن ما يمنح القضية بعداً أكثر حساسية هو ارتباط هذه التحويلات بما يعرف في السوق العقارية المغربية بصيغة “المصارفة”، وهي آلية انتشرت خلال السنوات الأخيرة باعتبارها بديلاً عن التمويل البنكي التقليدي أو التشاركي، حيث يؤدي المشتري ثمن العقار على شكل دفعات مباشرة لفائدة المنعش العقاري، دون المرور عبر المساطر الائتمانية التي تفرضها المؤسسات البنكية.

وفي الأصل، لا يمكن اعتبار هذه الصيغة مخالفة للقانون أو دليلاً على وجود نشاط غير مشروع، فهي بالنسبة لعدد كبير من الأسر تمثل حلاً عملياً لتفادي فوائد القروض أو تجاوز شروط التمويل البنكي التي قد يصعب استيفاؤها. كما أنها استجابت لحاجة حقيقية داخل السوق العقارية، خصوصاً لدى فئات ترغب في اقتناء مسكن دون الارتباط بعقود تمويل طويلة الأمد.

غير أن الإشكال لا يكمن في الآلية نفسها، وإنما في الفراغ الرقابي الذي قد تستفيد منه بعض الشبكات الإجرامية عندما تتحول هذه الصيغة إلى وسيلة لإدخال أموال مجهولة المصدر داخل الدورة الاقتصادية. فكلما تقلصت مستويات التحقق من مصدر الأموال، وابتعدت المعاملة عن آليات الفحص البنكي التقليدي، ارتفعت إمكانية استغلالها من قبل من يبحثون عن “تبييض” أموالهم عبر أصول ثابتة يصعب تتبع مساراتها لاحقاً.

وهنا تظهر الوظيفة الحقيقية لهيئة المعلومات المالية، التي لا تقوم بإصدار الأحكام أو توجيه الاتهامات، وإنما تعتمد منهجاً قائماً على تحليل المخاطر ورصد الأنماط غير الاعتيادية في حركة الأموال. فالاشتباه لا يعني الإدانة، وإنما يفتح الباب أمام تحريات تهدف إلى التحقق من مدى مشروعية المصادر المالية، وهو مبدأ أساسي في أنظمة مكافحة غسل الأموال المعتمدة دولياً.

ومن اللافت أن التحقيقات الأولية لم تتوقف عند تتبع الحسابات البنكية، بل امتدت إلى محاولة تحديد المقتنين الحقيقيين للعقارات والمستفيدين النهائيين منها، وهي نقطة بالغة الأهمية، لأن جرائم غسل الأموال الحديثة أصبحت تعتمد بشكل متزايد على إخفاء المالك الحقيقي للأصول، عبر وسطاء أو شركات أو أشخاص لا يمثلون سوى واجهات قانونية.

كما أن تركيز المراقبة على مشاريع توجد في مناطق جديدة تفتقر إلى البنيات الأساسية يفتح زاوية تحليل أخرى. فإذا كانت أسعار العقارات في تلك المناطق تفوق قيمتها السوقية بشكل لافت، فإن السؤال لا يتعلق فقط بقواعد العرض والطلب، بل بإمكانية استخدام تضخيم الأسعار كوسيلة لإضفاء مظهر قانوني على أموال غير مشروعة. ففي عالم غسل الأموال، لا تكون القيمة الحقيقية للعقار هي الهدف، وإنما القدرة على تحويل الأموال النقدية إلى أصل يبدو قانونياً عند إعادة بيعه أو استثماره لاحقاً.

ومن هنا تتجاوز القضية بعدها المالي لتلامس الاقتصاد الوطني بأكمله. فكل عملية غسل أموال ناجحة لا تعني فقط إدخال أموال مشبوهة إلى السوق، بل تؤدي أيضاً إلى تشويه المنافسة، ورفع أسعار العقارات بصورة مصطنعة، وإقصاء المشترين الحقيقيين، وإرباك آليات الاستثمار السليم. كما أنها تخلق اقتصاداً موازياً تتحرك فيه الرساميل بعيداً عن قواعد الشفافية والعدالة الجبائية.

أما اجتماعياً، فإن تضخم الأسعار الناتج عن المضاربات أو التدفقات المالية غير الطبيعية ينعكس مباشرة على الأسر الباحثة عن السكن، التي تجد نفسها أمام سوق تتجاوز فيها الأسعار القدرة الشرائية الحقيقية للمواطنين. وهكذا يتحول السكن، الذي يفترض أن يكون حقاً اجتماعياً واستثماراً طويل الأمد، إلى أداة قد تستغل في بعض الحالات لإعادة تدوير الأموال المشبوهة.

وفي الجانب القانوني، تكشف هذه القضية عن تطور ملحوظ في فلسفة مكافحة غسل الأموال بالمغرب. فبعد أن كان التركيز منصباً على المؤسسات البنكية وحدها، أصبحت الرقابة تتوسع تدريجياً نحو القطاعات غير المالية، وعلى رأسها العقار، باعتباره من أكثر القطاعات عرضة للاستغلال من قبل الشبكات الإجرامية العابرة للحدود.

وتكتسب هذه التطورات أهمية أكبر في ظل التزامات المغرب الدولية في مجال مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، حيث بات تعزيز فعالية منظومة الرصد والإبلاغ والتتبع شرطاً أساسياً للحفاظ على ثقة المؤسسات المالية الدولية، وجذب الاستثمار المشروع، وحماية الاقتصاد الوطني من مخاطر الرساميل ذات المصدر غير المشروع.

كما تكشف القضية عن دور متزايد للبنوك نفسها، التي لم تعد مجرد مؤسسات لتلقي الودائع ومنح القروض، بل أصبحت شريكاً رئيسياً في منظومة الأمن المالي، من خلال إلزامها بالإبلاغ عن العمليات التي تبدو غير منسجمة مع السلوك المالي المعتاد للزبناء، حتى وإن لم يثبت وجود جريمة في تلك المرحلة.

لكن في المقابل، تفرض هذه المرحلة أيضاً ضرورة تحقيق توازن دقيق بين متطلبات الرقابة وحماية النشاط الاقتصادي المشروع. فالتوسع في الاشتباه لا ينبغي أن يتحول إلى وصم لكل المعاملات التي تعتمد صيغة “المصارفة”، لأن آلاف الأسر والمنعشين يلجؤون إليها لأسباب مالية أو دينية أو عملية مشروعة. ولذلك، فإن التحدي الحقيقي يكمن في تطوير أدوات تحليل ذكية تميز بين الأنماط الطبيعية والمعاملات التي تحمل مؤشرات موضوعية تستوجب التحقيق.

وفي النهاية، لا تكمن أهمية هذا الملف في عدد التحويلات أو قيمتها، ولا حتى في احتمال ارتباط بعضها بأنشطة إجرامية، بل فيما يكشفه عن تحول أعمق داخل مفهوم الرقابة المالية في المغرب. فالسؤال لم يعد: هل توجد أموال مشبوهة داخل السوق العقارية؟ بل أصبح: كيف يمكن بناء اقتصاد يظل مفتوحاً أمام الاستثمار المشروع، دون أن يتحول في الوقت نفسه إلى ملاذ آمن للرساميل التي تبحث عن غسل ماضيها أكثر من صناعة مستقبلها؟ ذلك هو التحدي الحقيقي الذي ستقاس به فعالية المؤسسات، وصلابة دولة القانون، وقدرة الاقتصاد المغربي على النمو بثقة وشفافية واستدامة.