المغرب ينتصر… لكن لماذا يتغير أبطاله بعد كل مباراة؟

0
124

بين الصباري ودياز وديوب… لماذا لا يرى الجمهور سوى آخر لقطة؟ حين تتحول كرة القدم إلى مرآة لسيكولوجية المجتمع

لا تكشف البطولات الكبرى مستوى المنتخبات وحدها، بل تكشف أيضا طبيعة المجتمعات التي تتابعها. فمع كل مباراة يخوضها المنتخب المغربي في كأس العالم، لا تتشكل فقط نتيجة فوق لوحة الملعب، بل تتشكل في الوقت نفسه محكمة جماهيرية موازية، تصدر أحكامها خلال دقائق، وتعيد توزيع أدوار البطولة والإخفاق بين اللاعبين، وكأن مسيرة سنوات طويلة يمكن أن تختزل في تمريرة ضائعة أو هدف قاتل أو لقطة واحدة بقيت عالقة في ذاكرة المشاهد.

هذه الظاهرة لا ترتبط بالمنتخب المغربي وحده، ولا بجيل معين من اللاعبين، بل تمثل إحدى السمات الأكثر حضورا في الثقافة الرياضية الحديثة؛ ثقافة باتت تتحكم فيها سرعة الصورة أكثر مما تتحكم فيها دقة التحليل، وأصبحت فيها وسائل التواصل الاجتماعي فضاء يصنع الأبطال بالسرعة نفسها التي يهدمهم بها. وبين إبراهيم دياز، وعز الدين أوناحي، وعيسى ديوب، وبلال الخنوس، تتجسد صورة أوضح لما يسميه علماء النفس الرياضي “سيكولوجية النتائج”، حيث تصبح النتيجة النهائية هي العدسة التي ينظر الجمهور من خلالها إلى كل ما جرى داخل المباراة، مهما كانت التفاصيل الفنية أكثر تعقيدا.

لقد أثبتت مباريات المنتخب المغربي مرة أخرى أن ذاكرة الجماهير قصيرة، لكنها شديدة التأثير. فاللاعب الذي يتحول إلى بطل قومي بعد مباراة استثنائية قد يجد نفسه بعد أيام قليلة في دائرة الاتهام إذا تراجع مستواه أو أخطأ في لقطة واحدة، بينما يستطيع لاعب آخر أن يمحو سلسلة كاملة من الانتقادات بمجرد هدف أو تمريرة حاسمة. وفي هذا التحول السريع لا يكون الأداء هو الذي تغير بالضرورة، وإنما زاوية النظر إليه.

وهنا تكمن المفارقة التي تستحق التأمل. فالجمهور لا يشاهد المباراة بالطريقة التي يشاهدها المدرب أو المحلل الفني. المدرب يقرأ المسافات، وحركة الخطوط، والضغط، والتمركز، والتحولات الدفاعية والهجومية، أما المشجع فيبحث في النهاية عن شعور واحد هو الانتصار. ولذلك تصبح النتيجة بالنسبة إليه معيارا يفسر كل شيء. فإذا فاز المنتخب بدت الأخطاء مجرد تفاصيل عابرة، وإذا خسر تحولت التفاصيل نفسها إلى أدلة دامغة على الفشل.

هذا السلوك لا يعكس سطحية الجمهور بقدر ما يعكس الطبيعة الإنسانية نفسها. فالإنسان يميل بطبيعته إلى اختصار الوقائع المعقدة في صور بسيطة يسهل تذكرها. ويعرف علماء النفس هذا الميل باسم “الانحياز للنتيجة”، حيث يعيد العقل تقييم القرارات والأداء انطلاقا من النهاية التي آلت إليها الأحداث، وليس انطلاقا من جودة الاختيارات أثناء وقوعها. لذلك قد يقدم لاعب مباراة تكتيكية كبيرة، ينجح في إغلاق المساحات ويفسد خطط المنافس، لكنه يغادر الملعب دون أن يحظى بالإشادة لأنه لم يسجل هدفا، بينما يحصل لاعب آخر على كل الأضواء لأنه كان صاحب اللمسة الأخيرة.

ولعل هذا ما يفسر الحضور المختلف للاعبين داخل النقاش العمومي. فالأسماء المرتبطة بالأهداف والتمريرات الحاسمة تتصدر المشهد بسرعة، بينما يبقى اللاعب الذي يؤدي الأدوار الصامتة بعيدا عن دائرة الضوء، رغم أن المنظومات الكروية الحديثة أصبحت تقوم أساسا على العمل الجماعي وتقاسم الوظائف داخل الملعب. فالكرة المعاصرة لم تعد لعبة الأبطال المنعزلين، بل لعبة الشبكات التكتيكية، حيث قد يكون اللاعب الأكثر تأثيرا هو الأقل ظهورا أمام الكاميرات.

ومن هنا يمكن فهم محدودية النقاش الذي يدور أحيانا على المنصات الرقمية. فوسائل التواصل الاجتماعي لا تكافئ التحليل العميق، بل تكافئ اللحظة المثيرة. خوارزميات هذه المنصات تمنح الأفضلية للصورة الصادمة، وللفيديو القصير، وللرأي الحاد، وللتصنيف السريع بين “بطل” و”فاشل”. أما المساحات الرمادية، التي يعيش فيها التحليل الحقيقي، فلا تجد المكان نفسه وسط سباق التفاعل والإعجابات وإعادة النشر.

لقد تغيرت علاقة الجمهور بالرياضة مع تغير البيئة الإعلامية. ففي الماضي كانت الصحافة الرياضية تمنح نفسها وقتا لتفكيك المباريات، وكانت البرامج التحليلية تستغرق ساعات في شرح تفاصيل الأداء. أما اليوم، فإن آلاف الأحكام تصدر قبل أن يغادر اللاعبون أرضية الملعب، ويصبح الوسم الأكثر انتشارا أحيانا أكثر تأثيرا من قراءة مدرب قضى أسبوعا كاملا في إعداد المباراة.

لكن الخطورة لا تكمن في سرعة الأحكام وحدها، بل في انتقالها أحيانا إلى بعض الأصوات التي يفترض فيها الحفاظ على المسافة المهنية. فعندما يستبدل المحلل أدوات التحليل العلمي بردود الفعل الجماهيرية، يفقد دوره الحقيقي، ويتحول من مفسر للحدث إلى مجرد ناقل للعاطفة العامة. وهنا تصبح الخبرة أقل تأثيرا من المزاج الجماعي، ويصبح الرأي الأكثر انتشارا هو الرأي الأكثر قبولا، حتى وإن افتقد إلى الأساس الفني.

أما اللاعب، فإنه يقف في قلب هذه الدوامة النفسية. فهو مطالب بأن يقدم أفضل ما لديه داخل الملعب، وفي الوقت نفسه أن يتحمل آلاف التعليقات التي تصدر بعد كل مباراة. بعض اللاعبين يمتلكون من الصلابة الذهنية ما يجعل النقد وقودا للتطور، بينما قد يتحول النقد نفسه بالنسبة لآخرين إلى عبء يضعف الثقة بالنفس ويؤثر في الأداء. لذلك أصبحت الإعدادات النفسية اليوم جزءا لا يقل أهمية عن الإعداد البدني والتكتيكي داخل أكبر المنتخبات والأندية العالمية.

وليس من المصادفة أن تعتمد المدارس الكروية الحديثة على مختصين في علم النفس الرياضي ضمن الطاقم التقني. فالرهان لم يعد يقتصر على تعليم اللاعب كيف يمرر الكرة أو يسددها، بل كيف يدير الضغوط، ويتعامل مع الشهرة، ويتجاوز الأخطاء، ويمنع وسائل التواصل الاجتماعي من التحكم في حالته الذهنية. فالاحتراف الحقيقي يبدأ عندما يتعلم اللاعب أن يفصل بين صورته الرقمية وصورته داخل الملعب.

وفي التجربة المغربية، تبدو هذه الظاهرة أكثر وضوحا لأن المنتخب الوطني لم يعد مجرد فريق لكرة القدم، بل أصبح مشروعا وطنيا يحمل جزءا من صورة المغرب في الخارج. وكل انتصار يتحول إلى مناسبة جماعية للاحتفال بالهوية والانتماء، وكل تعثر يفتح نقاشا يتجاوز كرة القدم إلى أسئلة حول الطموح والتمثيل والقدرة على الاستمرار. ولهذا تكتسب ردود الفعل حجما أكبر مما يحدث في مباريات عادية، لأن الجمهور لا يرى في المنتخب أحد عشر لاعبا فقط، بل يرى صورة وطن بأكمله.

ومع ذلك، فإن التاريخ الكروي يعلمنا أن الأبطال الحقيقيين لا يصنعهم هدف واحد، كما لا يهدمهم خطأ واحد. فالمنتخبات التي بنت أمجادها فعلت ذلك عبر التراكم والاستمرارية، وليس عبر البحث الدائم عن بطل جديد بعد كل مباراة. واللاعب الكبير ليس من ينجح في كل لقطة، وإنما من يستطيع النهوض بعد كل تعثر، وأن يحافظ على مستواه رغم تقلب المزاج الجماهيري.

وربما تكون هذه هي الرسالة الأهم التي يبعثها المنتخب المغربي في هذه المرحلة. فبعيدا عن أسماء اللاعبين، وبعيدا عن الجدل الذي يرافق كل مباراة، تبدو القيمة الحقيقية في المشروع الذي جعل المغرب ينافس كبار العالم بثقة، ويصنع جيلا اعتاد اللعب تحت الضغط، وأصبح ينظر إلى الأدوار المتقدمة باعتبارها هدفا مشروعا لا حلما بعيد المنال.

ويبقى السؤال الذي يتجاوز حدود كرة القدم: هل نحن، كمجتمع، نقيم الأشخاص بناء على مساراتهم الطويلة، أم أننا أصبحنا أسرى آخر مشهد رأيناه؟ لأن الإجابة عن هذا السؤال لن تفسر فقط طريقة تعاملنا مع لاعب سجل هدفا أو أضاع فرصة، بل ستكشف أيضا كيف نصنع أبطالنا، وكيف نهدمهم، وكيف يمكن أن تتحول الذاكرة الجماعية من قوة تمنح الثقة إلى سلطة لا ترى سوى آخر لقطة.