نجح المنتخب… ولكن هل نجحت الرياضة المغربية؟ ومن صنع هذا الإنجاز؟

0
78
صورة: و.م.ع

هل نجحت الرياضة المغربية… أم أننا نحتفل باستثناء اسمه كرة القدم؟

في خضم موجة الفخر التي يعيشها المغاربة بعد كل إنجاز يحققه المنتخب الوطني لكرة القدم، تتعالى أصوات تعتبر أن ما تحقق ليس مجرد انتصار رياضي، بل دليل على نجاح نموذج تنموي متكامل، وعلى نجاعة الاستثمار العمومي في قطاع الرياضة، بل إن بعض القراءات ذهبت إلى اعتبار المنتخب المغربي مرآة تعكس نجاح التنمية بمفهومها الشامل.

ومن هذا المنطلق جاءت تصريحات الكاتب والباحث إدريس القري، الذي رأى أن تألق المنتخب الوطني يجسد ثمرة مسار طويل من التنمية والتحديث، وأن ما تحقق يعكس تطور الاستثمار في الرياضة، بل وفي مختلف القطاعات التي شهدها المغرب خلال العقود الأخيرة.

غير أن أي قراءة تحاول فهم الظواهر الكبرى لا يمكن أن تكتفي بما يظهر فوق سطح الأحداث، لأن وظيفة التحليل ليست الاحتفاء بالنتائج، بل اختبار مدى انسجامها مع الواقع بأكمله. فالنجاح الحقيقي لا يقاس بما يتحقق في قطاع واحد، ولا بما تصنعه لعبة واحدة مهما بلغت شعبيتها، وإنما بقدرة المنظومة على إنتاج النتائج في مختلف المجالات التي أنشئت من أجلها.

ومن هنا يبرز السؤال الذي لا يمكن تجاوزه: هل أصبح نجاح المنتخب المغربي لكرة القدم دليلاً على نجاح الرياضة المغربية كلها، أم أن الأمر يتعلق باستثناء كروي يجري تعميمه على منظومة ما تزال تعاني اختلالات عميقة؟

إن هذا السؤال لا ينتقص إطلاقاً من قيمة ما أنجزه المنتخب المغربي، ولا يقلل من أهمية المكانة التي أصبحت تحتلها كرة القدم المغربية قارياً ودولياً، بل على العكس، فالإنجاز الذي تحقق يستحق أن يدرس وأن يتحول إلى نموذج يحتذى به. غير أن تحويل هذا الإنجاز إلى شهادة جماعية تمنح لجميع مكونات القطاع الرياضي يظل أمراً يحتاج إلى كثير من التمحيص، لأن الوقائع لا تُقرأ بالعاطفة، وإنما بالأرقام والمؤشرات والنتائج.

ولو كان نجاح كرة القدم يعني بالضرورة نجاح السياسة الرياضية الوطنية، لكانت نتائج المغرب في مختلف الرياضات تعكس الصورة نفسها. لكن ما حدث في آخر دورة للألعاب الأولمبية يدفع إلى طرح أسئلة مختلفة تماماً. فبينما كانت الأنظار تتجه إلى بعثة رياضية تضم عشرات الأبطال يمثلون مختلف الجامعات الرياضية، انتهت المشاركة بحصيلة متواضعة مقارنة بحجم الطموحات والإمكانات التي جرى الحديث عنها لسنوات. ولم يكن النقاش بعد العودة يدور حول كيفية المحافظة على التفوق، بل حول أسباب استمرار الإخفاقات في معظم الرياضات الفردية والجماعية، وحول جدوى السياسات المعتمدة، ومدى نجاعة الحكامة داخل عدد من الجامعات الرياضية.

وهنا تظهر أولى المفارقات التي ينبغي التوقف عندها. فمن غير المنطقي أن تصبح كرة القدم دليلاً على نجاح المنظومة الرياضية كلها، في الوقت الذي تكشف فيه الألعاب الأولمبية، باعتبارها المعيار الأكثر شمولاً لقياس قوة السياسات الرياضية، عن وجود اختلالات بنيوية في أغلب التخصصات. فالأولمبياد لا يقيس أداء منتخب واحد، بل يقيس قدرة الدولة على إعداد أبطال في ألعاب القوى والملاكمة والجيوجيتسو البرازيلي والجيدو والمصارعة والسباحة والرماية والدراجات والتايكواندو وغيرها من الرياضات التي تشكل مجتمعة الصورة الحقيقية لأي سياسة رياضية وطنية.

ومن هنا يصبح من المشروع التساؤل: هل نقرأ الواقع كما هو، أم كما نرغب أن يكون؟ وهل يجوز أن يتحول نجاح منتخب لكرة القدم إلى مظلة تخفي خلفها تعثر عشرات الرياضات الأخرى؟ أم أن الإنصاف يقتضي الفصل بين نجاح مشروع كروي أثبت نجاعته، وبين منظومة رياضية ما تزال في حاجة إلى مراجعات عميقة في الحكامة والتكوين والتخطيط وربط المسؤولية بالمحاسبة؟

إن أخطر ما يمكن أن يقع فيه أي تحليل هو الخلط بين الاستثناء والقاعدة. فالاستثناء يلفت الانتباه لأنه يختلف عن الواقع، أما القاعدة فهي التي تعكس حقيقة المنظومة. ولذلك، فإن نجاح كرة القدم لا ينبغي أن يتحول إلى ذريعة لإعلان نجاح شامل، بل إلى فرصة لطرح سؤال أكثر أهمية: لماذا نجحت كرة القدم في تحقيق هذا التحول، بينما بقيت معظم الرياضات الأخرى تراوح مكانها، رغم أنها تخضع للوزارة نفسها، وتشتغل داخل المنظومة القانونية نفسها، وتستفيد، بدرجات متفاوتة، من المال العام نفسه؟

غير أن الوصول إلى الإجابة عن هذا السؤال يقتضي أولاً تفكيك الرواية التي أصبحت تتكرر كلما حقق المنتخب المغربي إنجازاً جديداً، وهي أن هذا النجاح يمثل ثمرة مباشرة للاستثمار الوطني في كرة القدم، أو أنه دليل على نجاح أكاديمية محمد السادس لكرة القدم باعتبارها المصنع الذي خرج هذا الجيل الذهبي. ورغم أن هذه الرواية تحتوي على جزء من الحقيقة، فإنها لا تمثل الحقيقة كاملة، بل قد تتحول، إذا جرى تعميمها، إلى تبسيط مخل لقصة أكثر تعقيداً، وأكثر إنسانية، وأكثر امتداداً في الزمن.

فالمنتخب المغربي الذي أبهر العالم لم يولد داخل مؤسسة واحدة، ولم تصنعه أكاديمية واحدة، ولم يكن ثمرة مسؤول واحد مهما كان دوره أو موقعه. إنه نتاج مسار طويل تداخلت فيه عوامل تاريخية واجتماعية وإنسانية ورياضية امتدت لعقود، وشارك في صناعتها آلاف الأشخاص داخل المغرب وخارجه. ولذلك فإن إنصاف الحقيقة يفرض توزيع الفضل بعدالة، بعيداً عن اختزال قصة جماعية في عنوان واحد أو في مؤسسة واحدة.

ولعل أول ما يكشف محدودية هذا الاختزال هو التمعن في المسار الذي سلكه أغلب لاعبي المنتخب الوطني. فالنواة الأساسية لهذا الجيل لم تتكون داخل مراكز التكوين المغربية، بل داخل مدارس كروية احترافية في فرنسا وبلجيكا وهولندا وإسبانيا وإيطاليا، حيث تلقى معظم اللاعبين تكوينهم الرياضي والتقني والبدني والنفسي وفق مناهج احترافية منذ طفولتهم، داخل أندية استثمرت فيهم سنوات طويلة قبل أن يصبحوا نجوماً في أكبر البطولات الأوروبية. فهناك من التحق بمراكز التكوين وهو في الثامنة أو التاسعة من عمره، وهناك من تدرج داخل أكاديميات أندية عالمية قبل أن يحمل قميص المنتخب المغربي بسنوات طويلة.

ولا يعني ذلك التقليل من أهمية ما أنجزه المغرب في مجال تطوير كرة القدم، ولا إنكار الدور الذي لعبته أكاديمية محمد السادس في تكوين عدد من اللاعبين الذين أصبحوا يمارسون في مستويات عالية، لكنها ليست المصدر الوحيد، ولا حتى المصدر الرئيسي، للجيل الذي صنع الإنجاز العالمي. فالنجاح الذي حققه المنتخب هو في الحقيقة التقاء بين أكثر من مدرسة وأكثر من تجربة وأكثر من فضاء للتكوين، وهو ما يجعل نسبه إلى مؤسسة واحدة قراءة تختزل واقعاً أكثر تركيباً.

لكن حتى الحديث عن المدارس الأوروبية يبقى بدوره ناقصاً إذا أغفل الحلقة الأولى في هذه السلسلة؛ الحلقة التي لا تظهر في الصور الرسمية، ولا تقف فوق منصات التتويج، لكنها كانت الشرارة الأولى لكل هذه الحكاية. فقبل أن يدخل هؤلاء اللاعبون إلى مراكز التكوين الأوروبية، كان هناك آباء وأمهات مغاربة حملوا حقائبهم قبل عقود وغادروا قراهم ومدنهم نحو أوروبا بحثاً عن فرصة عمل وحياة أكثر استقراراً.

كان الجيل الأول من المهاجرين المغاربة يعمل في المناجم والمصانع وورش البناء وقطاع النقل والفلاحة والموانئ، وفي مهن شاقة لم تكن تمنح أصحابها الشهرة ولا المكانة الاجتماعية، لكنها كانت توفر لهم أملاً واحداً؛ أن يحظى أبناؤهم بالمستقبل الذي حرموا هم منه. تحملوا الغربة والعنصرية وصعوبة الاندماج والعمل المضني، وادخروا ما استطاعوا من أجل تعليم أبنائهم، وإلحاقهم بالأندية الرياضية، وفتح الأبواب أمامهم للاندماج في مجتمعاتهم الجديدة دون أن يقطعوا صلتهم بوطنهم الأصلي.

ولهذا، فإن المدرسة الأولى التي خرج منها هذا الجيل لم تكن أكاديمية لكرة القدم، بل كانت الأسرة المغربية المهاجرة. ففي تلك البيوت الصغيرة المنتشرة في ضواحي أمستردام وروتردام وبروكسيل وباريس وليون ومدريد وميلانو وغيرها، تشكل الوعي الأول لهؤلاء الأطفال. هناك تعلموا معنى الانتماء، وهناك سمعوا لأول مرة عن قراهم ومدنهم في المغرب، وهناك نشأ الحنين إلى وطن لم يولد كثير منهم فوق أرضه، لكنه ظل حاضراً في اللغة التي يتحدثون بها داخل البيت، وفي الأكلات المغربية، وفي الأعياد والعادات، وفي القصص التي كان الآباء والأمهات يروونها لأبنائهم عن الوطن الذي غادروه ولم يغادرهم.

ومن هنا يصبح من الصعب اختزال اختيار هؤلاء اللاعبين للمنتخب المغربي في نجاح سياسة استقطاب رياضي فقط. فالجامعة الملكية المغربية لكرة القدم قامت، دون شك، بعمل مهم في التواصل مع عدد من اللاعبين وإقناعهم بالمشروع الرياضي الوطني، لكن القرار النهائي لم يكن يُصنع داخل مكاتب الجامعة وحدها، بل كان يُحسم داخل البيوت المغربية. ففي كثير من الحالات، كان الأب أو الأم أو الأسرة بأكملها شريكاً أساسياً في اتخاذ القرار، لأن ارتداء القميص الوطني لم يكن مجرد اختيار مهني، بل كان تعبيراً عن الوفاء للجذور، وعن رد جميل لوطن ظل حاضراً في وجدان الأسرة رغم سنوات الهجرة.

ولهذا، فإن إنصاف الحقيقة يقتضي الاعتراف بأن المنتخب المغربي هو ثمرة أربعة روافد كبرى تكاملت فيما بينها. أولها تضحيات الجالية المغربية التي حافظت على الهوية وصنعت البيئة الإنسانية التي خرج منها هذا الجيل. وثانيها منظومات التكوين الأوروبية التي صقلت المواهب وفق أعلى معايير الاحتراف. وثالثها المشروع الكروي الذي طوره المغرب خلال السنوات الأخيرة، سواء عبر تحسين البنيات التحتية أو تطوير التكوين أو تعزيز الحضور القاري والدولي. أما الرافد الرابع، فهو العمل الذي قامت به الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم في إعادة ربط أبناء المهجر ببلدهم الأصلي وإقناعهم بأن مستقبلهم الدولي يمكن أن يكون بقميص المغرب.

وعندما توضع هذه العناصر كلها جنباً إلى جنب، تتضح الحقيقة كما هي: لم يصنع هذا المنتخب طرف واحد، ولم يحتكر أحد هذا الإنجاز. إنه نجاح جماعي اشتركت في صناعته الدولة، والجالية، والأسر، والأندية الأوروبية، واللاعبون أنفسهم، وكل محاولة لاختزال هذه القصة المركبة في مؤسسة واحدة، أو في رواية واحدة، لا تعكس إلا جزءاً من الصورة، بينما تبقى بقية الحقيقة غائبة خلف وهج الانتصارات.

وإذا كانت هذه هي القصة الحقيقية التي تقف خلف نجاح المنتخب المغربي، فإن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح هو: لماذا بقي هذا النجاح محصوراً في كرة القدم؟ ولماذا لم تنتقل الوصفة نفسها إلى بقية الرياضات التي تشرف عليها المؤسسات ذاتها، وتخضع للإطار القانوني نفسه، وتستفيد هي الأخرى، بدرجات متفاوتة، من الدعم العمومي؟

هنا يبدأ النقاش الحقيقي، لأن السياسة الرياضية لا تُقاس بقدرتها على صناعة منتخب ناجح في لعبة واحدة، وإنما بقدرتها على بناء منظومة متكاملة قادرة على إنتاج الأبطال في مختلف التخصصات. فالدول التي تتصدر المشهد الرياضي العالمي لا تحقق تفوقها بفضل كرة القدم وحدها، بل بفضل منظومات متوازنة تنتج ميداليات في الألعاب الأولمبية، والبطولات العالمية، والرياضات الفردية والجماعية على حد سواء.

ومن هذا المنطلق، تبدو الألعاب الأولمبية الاختبار الأكثر عدلاً لأي سياسة رياضية. فهي لا تمنح الامتياز لكرة القدم، ولا تخضع لمنطق الشعبية أو الجماهيرية، وإنما تضع جميع الرياضات أمام المعيار نفسه: كم بطلاً استطعت أن تصنع؟ وكم ميدالية استطعت أن تحقق؟ وكم رياضة أصبحت قادرة على المنافسة العالمية؟

وهنا تصطدم الخطابات الاحتفالية بواقع أكثر صلابة. فإذا كانت كرة القدم قد قدمت للمغرب صورة مشرقة أمام العالم، فإن نتائج الدورة الأولمبية الأخيرة أعادت طرح أسئلة مؤجلة حول واقع معظم الرياضات الأخرى، التي خرجت بحصيلة لا تعكس حجم الطموحات التي رُفعت، ولا حجم الوعود التي قُدمت، ولا حجم الموارد التي رُصدت خلال السنوات الماضية.

ولا يتعلق الأمر هنا بعدد الميداليات فقط، لأن الميدالية في حد ذاتها قد تخضع أحياناً لعوامل المنافسة أو الحظ الرياضي، وإنما يتعلق بقدرة المنظومة على إنتاج أبطال باستمرار، وعلى تجديد النخب الرياضية، وعلى بناء قاعدة واسعة من الممارسين، وعلى توفير التكوين العلمي والطبي والتقني الذي أصبحت الرياضة الحديثة تقوم عليه. فحين يتكرر التعثر في ألعاب القوى، أو الملاكمة، أو الجيدو، أو المصارعة، أو السباحة، أو غيرها من الرياضات، فإن القضية لم تعد مرتبطة بنتيجة منافسة واحدة، بل أصبحت مؤشراً على وجود اختلالات بنيوية تستوجب المراجعة.

ولذلك، فإن السؤال الذي ينبغي أن يوجه إلى صناع القرار الرياضي ليس: لماذا نجحت كرة القدم؟ بل: لماذا بقي نجاح كرة القدم استثناءً لم تستطع باقي الرياضات الاستفادة منه؟ ولماذا لم تتحول تجربة التخطيط والاستثمار التي عرفها هذا القطاع إلى سياسة وطنية تشمل بقية الجامعات الرياضية؟ وهل يتعلق الأمر باختلاف في الحكامة؟ أم في طريقة تدبير الموارد؟ أم في آليات التكوين؟ أم في غياب ثقافة التقييم وربط المسؤولية بالمحاسبة؟

إن الاعتراف بنجاح كرة القدم لا ينبغي أن يتحول إلى إعفاء لبقية المنظومة من النقد والتقييم. فالنجاح الحقيقي لأي دولة يبدأ عندما تتحول التجربة الناجحة إلى نموذج قابل للتعميم، لا عندما تبقى جزيرة معزولة وسط بحر من الإخفاقات. أما الاكتفاء بالاحتفاء بالاستثناء، فإنه قد يمنح شعوراً مؤقتاً بالرضا، لكنه لا ينتج إصلاحاً، ولا يصنع أبطالاً جدداً، ولا يبني سياسة رياضية متوازنة.

ولعل أخطر ما يمكن أن يحدث لأي منظومة هو أن تبدأ في تصديق خطابها أكثر مما تصدق نتائجها. فعندما يتحول الإنجاز الجزئي إلى شهادة نجاح شاملة، تتراجع الحاجة إلى المراجعة، ويصبح النقد وكأنه تشكيك في النجاح، بينما هو في الحقيقة محاولة لحمايته وتطويره. فالسياسات العمومية لا تتقدم بالتصفيق، وإنما بالتقييم المستمر، والاعتراف بالنجاحات كما الاعتراف بالإخفاقات.

ولهذا، فإن الإنصاف يقتضي التفريق بين مستويين مختلفين. الأول هو نجاح مشروع كروي استطاع، بفضل تضافر عوامل متعددة، أن يجعل المغرب رقماً صعباً في الساحة الدولية. أما المستوى الثاني فهو تقييم السياسة الرياضية الوطنية بكل مكوناتها، وهو تقييم لا يمكن أن يستند إلى كرة القدم وحدها، بل إلى أداء عشرات الرياضات، وإلى نتائج المشاركات الأولمبية، وإلى جودة الحكامة، وإلى قدرة المؤسسات على اكتشاف المواهب وتطويرها في مختلف أنحاء المملكة.

إن قوة الدول لا تُقاس بقدرتها على صناعة قصة نجاح واحدة، وإنما بقدرتها على تحويل النجاح إلى ثقافة مؤسساتية تنتج النجاح مرة بعد أخرى، وفي أكثر من مجال. وهذا هو التحدي الحقيقي الذي يواجه الرياضة المغربية اليوم. فالمغرب لم يعد مطالباً بإثبات أنه قادر على صناعة منتخب عالمي لكرة القدم، لأنه أثبت ذلك بالفعل، وإنما أصبح مطالباً بإثبات أنه قادر على بناء منظومة رياضية متوازنة، لا تجعل من كرة القدم الاستثناء الوحيد الذي يغطي على تعثر بقية الألعاب.

وعندها فقط، يمكن الحديث بثقة عن نجاح التنمية الرياضية، لا لأنها أنجبت منتخباً أبهر العالم، بل لأنها أنجبت منظومة قادرة على إنتاج الأبطال في كل الرياضات، وعلى تحويل الاستثمار إلى نتائج، والموارد إلى ميداليات، والطموحات إلى إنجازات مستدامة.

ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يرافق كل حديث عن نجاح الرياضة المغربية: هل نقيس نجاح السياسات العمومية بما يحققه استثناء واحد، أم بما تحققه المنظومة بأكملها؟ وهل يصبح النجاح الحقيقي هو الاحتفاء بإنجاز كرة القدم، أم القدرة على أن يصبح هذا الإنجاز قاعدةً تستفيد منها جميع الرياضات المغربية، بدل أن يبقى جزيرةً مضيئةً في محيط ما زال ينتظر الإصلاح؟