حين تُحرّك شائعة على فيسبوك دولةً بأكملها… كيف تحولت رواية غير مكتملة إلى قضية دبلوماسية قبل أن تتكلم الحقيقة؟

0
72

في زمن أصبحت فيه صورة واحدة قادرة على اجتياز القارات خلال دقائق، لم يعد الخطر يكمن فقط في سرعة انتشار الأخبار، بل في سرعة اتخاذ المواقف السياسية قبل اكتمال الوقائع. فما حدث عقب تداول فيديو لطفل جزائري يحمل آثار إصابات بعد مباراة المغرب وهولندا ضمن كأس العالم 2026، لم يعد مجرد نقاش حول حادثة عنف مفترضة في مدينة بوسطن الأمريكية، بل تحول إلى نموذج بالغ الدلالة عن الكيفية التي تستطيع بها منصات التواصل الاجتماعي أن تدفع مؤسسات دولة بأكملها إلى التفاعل مع رواية لم تستوف بعد أبسط معايير التحقق المهني والقانوني.

القضية لم تبدأ بتحقيق قضائي، ولا ببلاغ صادر عن شرطة بوسطن، ولا ببيان من النيابة العامة الأمريكية، وإنما بدأت بمقطع فيديو انتشر على صفحات “فيسبوك” و”إكس” و”تيك توك”، قبل أن تنتقل الرواية بسرعة غير مسبوقة إلى وسائل الإعلام الجزائرية، ومنها إلى الخطاب السياسي الرسمي، وصولاً إلى تصريحات رئيس الجمهورية، وتحركات دبلوماسية، ومواقف حكومية، وكأن نتائج التحقيقات أصبحت معروفة سلفاً.

وهنا لا يتعلق الأمر بإثبات وقوع الاعتداء أو نفيه، فذلك اختصاص السلطات القضائية والأمنية الأمريكية وحدها، وإنما يتعلق بالسؤال الأعمق: متى تتحول الشائعة إلى سياسة عامة؟ ومتى تصبح الرواية المتداولة على الإنترنت أساساً لتحريك أجهزة الدولة؟

هذه الأسئلة تكتسب أهميتها لأن الدول الحديثة لا تبني مواقفها على الانطباعات، وإنما على الوقائع المثبتة والأدلة القضائية. ولذلك فإن الانتقال السريع من فيديو متداول إلى ملف دبلوماسي أثار نقاشاً واسعاً حول حدود العلاقة بين الإعلام والسياسة، وحول قدرة وسائل التواصل الاجتماعي على التأثير في صناعة القرار عندما تغيب مسافة التحقق.

ومن زاوية مهنية، فإن أي واقعة جنائية تقع داخل الولايات المتحدة تمر، وفق المساطر القانونية، عبر سلسلة دقيقة تبدأ بتدخل الشرطة المحلية، ثم فتح محاضر رسمية، وجمع الأدلة، والاستماع إلى الشهود، ومراجعة تسجيلات كاميرات المراقبة، قبل أن تنتقل، عند الاقتضاء، إلى النيابة العامة التي تحدد ما إذا كانت الوقائع تستوجب المتابعة القضائية. وخلال هذه المراحل لا تصبح الادعاءات حقائق قانونية إلا بعد استكمال إجراءات الإثبات.

غير أن ما جرى في هذه القضية سار في اتجاه مغاير تماماً؛ إذ إن الخطاب الإعلامي سبق مسار التحقيق، بينما بدت الرواية السياسية أكثر حسماً من الوقائع نفسها. فخلال ساعات فقط، أصبحت القصة تُقدم للرأي العام باعتبارها اعتداءً جماعياً نفذه مشجعون مغاربة، رغم غياب أي إعلان رسمي صادر عن السلطات الأمريكية يؤكد تلك التفاصيل أو يحدد المسؤوليات الجنائية.

وهنا يبرز الفرق الجوهري بين “الرواية الإعلامية” و”الحقيقة القضائية”. فالأولى قد تتشكل بسرعة اعتماداً على شهادات متفرقة أو مقاطع فيديو مبتورة أو تدوينات عاطفية، بينما الثانية تحتاج إلى زمن وإجراءات وأدلة. وعندما تختلط المرحلتان، يصبح الرأي العام معرضاً لتلقي أحكام نهائية قبل أن يبدأ التحقيق أصلاً.

وزاد من تعقيد المشهد تعدد النسخ المتداولة للقصة داخل الإعلام الجزائري نفسه. فبعض المنابر تحدث عن اعتداء نفذه عدد محدود من الأشخاص، بينما ذهبت أخرى إلى الحديث عن أكثر من ثلاثين مشتبهاً فيهم تم تحديد هوياتهم، في حين تحدثت روايات أخرى عن اعتقالات وإجراءات قضائية واسعة. وبين هذه الروايات المختلفة، ظل العنصر الأكثر غياباً هو الوثيقة الرسمية التي تسمح بالتحقق من تلك المعطيات.

إن التضارب في الأرقام والتفاصيل ليس مجرد خطأ صحفي عابر، بل مؤشر على غياب المصدر الأصلي للمعلومة. ففي الصحافة المهنية، عندما تختلف الروايات بهذا الحجم، يكون الواجب هو تعليق الأحكام إلى حين صدور البيانات الرسمية، لا اختيار الرواية الأكثر إثارة وتقديمها باعتبارها حقيقة مكتملة.

وفي خضم هذا المشهد، برزت تصريحات المعلق الرياضي حفيظ دراجي باعتبارها إحدى أكثر المحطات إثارة للنقاش، بعدما أعلن أنه تواصل شخصياً مع الطفل، وأن السلطات الأمريكية راجعت كاميرات المراقبة وحددت هوية أكثر من ثلاثين شخصاً، مع الحديث عن تعرض الطفل لارتجاج في الدماغ.

غير أن هذه الرواية بدورها فتحت باباً جديداً من التساؤلات. فإذا كانت الحالة الصحية للطفل بلغت مستوى الارتجاج الدماغي الذي يستوجب المراقبة الطبية، فكيف أمكن إجراء تواصل مباشر معه بهذه السرعة؟ وإذا كانت السلطات الأمريكية قد أنهت بالفعل مراجعة التسجيلات وحددت عشرات المشتبه فيهم، فلماذا لم يصدر أي إعلان رسمي يواكب هذه المعطيات؟ وهل أصبحت المعلومات القضائية الحساسة تُعلن أولاً عبر تدوينات إعلامية قبل المؤسسات المختصة؟

ثم جاءت التطورات اللاحقة لتزيد المشهد تعقيداً. فقد ظهر الطفل لاحقاً في مدرجات مباراة الجزائر وسويسرا بمدينة فانكوفر الكندية، كما ظهر في مقابلة إعلامية وهو يتحدث عن وجود “أصدقاء مغاربة” معه، قبل أن يُقطع جزء من حديثه عند اقترابه من وصف ما وقع بأنه شجار بين قاصرين. وسواء كان هذا التوصيف دقيقاً أم لا، فإنه أعاد طرح السؤال الأساسي: هل كانت الرواية الأولى كاملة منذ البداية، أم أن تفاصيلها تعرضت لإعادة بناء بما يخدم سردية سياسية وإعلامية محددة؟

ولا يقل أهمية عن ذلك تحليل مضمون الفيديو الأصلي الذي استندت إليه غالبية التغطيات الإعلامية. فالمقطع لا يوثق لحظة الاعتداء، ولا يحدد هوية المعتدين، ولا يثبت توقيت الواقعة أو ظروفها، ولا يسمح قانونياً بإسناد المسؤولية إلى طرف معين. إنه يظهر نتيجة مفترضة، لكنه لا يقدم الأدلة التي تفسر أسبابها أو مرتكبيها.

بل إن بعض اللقطات المتداولة أظهرت وجود أشخاص من المشجعين المغاربة بالقرب من الطفل وهم يساعدونه بعد إصابته، وهي صورة لا تنسجم مع الخطاب الذي صور الواقعة باعتبارها اعتداءً جماعياً شارك فيه جميع الموجودين أو أيدوه. وهذا لا ينفي احتمال وقوع اعتداء من بعض الأفراد، لكنه يرفض التعميم الذي يحول جنسية المشتبه فيهم، إن ثبتت أصلاً، إلى مسؤولية جماعية تُلصق بشعب كامل.

وهنا تظهر إحدى أخطر الظواهر التي يعرفها العصر الرقمي، وهي الانتقال من توصيف سلوك فردي إلى صناعة هوية جماعية للاتهام. ففي لحظات الاستقطاب الرياضي والسياسي، يصبح من السهل تحويل شجار محدود بين مراهقين إلى مواجهة بين شعبين، بينما تتراجع التفاصيل الدقيقة أمام قوة العنوان المثير.

ومن منظور اجتماعي، فإن مباريات كرة القدم الكبرى أصبحت فضاءات تختلط فيها المشاعر الوطنية بالحماس الشبابي، وقد تشهد أحياناً مشادات أو احتكاكات بين مجموعات من القاصرين أو المشجعين، وهي وقائع تعرفها مختلف البطولات العالمية. غير أن معالجة هذه الأحداث تختلف من مجتمع إلى آخر؛ فهناك من يتعامل معها باعتبارها حالات فردية تخضع للقانون، وهناك من يحولها إلى مادة لبناء سرديات سياسية تتجاوز حجم الواقعة نفسها.

أما إعلامياً، فإن هذه القضية تقدم درساً بالغ الأهمية حول المسؤولية المهنية في زمن المنصات الرقمية. فالسبق الصحفي لم يعد يقاس بسرعة النشر فقط، بل بقدرة المؤسسة الإعلامية على مقاومة إغراء الرواية السهلة، والتمسك بمبدأ التحقق حتى عندما يكون الرأي العام متعطشاً للإجابات السريعة. فالصحافة التي تتحول إلى طرف في صناعة الرواية تفقد تدريجياً وظيفتها الأساسية بوصفها أداة لكشف الحقيقة.

وفي المقابل، فإن المؤسسات السياسية مطالبة هي الأخرى بالحفاظ على المسافة الفاصلة بين التعاطف الإنساني المشروع مع أي ضحية محتملة، وبين تبني استنتاجات لم تحسمها الجهات المختصة. فالدبلوماسية تبنى على الوقائع، لا على الانفعالات، وإلا أصبحت الدول نفسها عرضة للتفاعل مع روايات قد تتغير مع تقدم التحقيقات.

وفي النهاية، قد تثبت التحقيقات الأمريكية مستقبلاً وقوع اعتداء جنائي، وقد تكشف أن الأمر لم يتجاوز شجاراً محدوداً بين قاصرين، وقد تظهر معطيات تختلف عن كل ما تم تداوله حتى الآن. لكن المؤكد أن القضية تجاوزت منذ زمن سؤال: “ماذا حدث للطفل؟”، لتطرح سؤالاً أكثر عمقاً يتعلق بعلاقة الحقيقة بالسلطة والإعلام في العصر الرقمي.

فحين تصبح الشائعة قادرة على تحريك الإعلام، ثم الدبلوماسية، ثم رأس الدولة، قبل أن يقول القضاء كلمته، فإن التحدي لم يعد حماية الحقيقة من الكذب فقط، بل حماية مؤسسات الدولة نفسها من الوقوع أسيرة لسرديات تُكتب على شاشات الهواتف أسرع مما تُكتب في محاضر التحقيق. وهنا يبرز السؤال الذي سيظل مطروحاً بعد انطفاء الضجيج الإعلامي: هل أصبح زمن الشبكات الاجتماعية يصنع الوقائع السياسية قبل أن يصنع الوقائع القضائية، أم أن مسؤولية الدولة الحديثة تقتضي أن تظل الحقيقة القانونية دائماً هي نقطة البداية، لا محطة الوصول؟